تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

) .

(فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما

كان في بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق،

وإيقاد نيران الغيرة وجمع الكلمة وبيع الأرواح لشرف الأمة؛ ولأن جرثومة الدين

متأصلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة والقلوب مطمئنة إليه، وفي زواياها

نور خفي من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفثها

في جميع الأرواح لأقرب وقت، فإذا قاموا لشؤونهم، ووضعوا أقدامهم على طريق

نجاحهم، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم، فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا

بسيرهم منتهى الكمال الإنساني

…

(ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه فقد ركب بها

شططا وجعل النهاية بداية، وانعكست التربية وخالف فيها نظام الوجود فينعكس

عليه القصد ولا يزيد الأمة إلا نحسا، ولا يكسبها إلا تعسا) .

(هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن

محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة

الحياة، وتبعثها على اقتناء الفضائل، وتوسيع دائرة المعارف، وتنتهي بها إلى

أقصى غاية في المدنية؟ إن عجبت فإن عجبي من عجبك أشد. هل نسيت تاريخ

الأمة العربية وما كانت عليه قبل بعثة الدين من الهمجية والشتات، وإتيان الدنايا

والمنكرات حتى إذا جاءها الدين فوحدها وقواها وهذبها، ونور عقولها وقوم أخلاقها

وسدد أحكامها، فسادت على العالم، وساست من تولته سياسة العدل والإنصاف،

وبعد أن كانت عقول أبنائها في غفلة عن لوازم المدنية ومقتضياتها نبهتها شريعتها

وآيات دينها إلى طلب الفنون المتنوعة والتبحر فيها، ونقلوا إلى بلادهم طب بقراط

وجالينوس وهندسة إقليدس وهيئة بطليموس وحكمة أفلاطون وأرسطو، وما كانوا

قبل الدين في شيء من هذا، وكل أمة سادت تحت هذا اللواء إنما كانت قوتها

ومدنيتها في التمسك بأصول دينها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ١٨٦