تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

المعاهدة العراقية البريطانية

كتبنا في آخر الجزء السادس كلمة عن العراق، ومصر، وتشابه السياسة

البريطانية فيهما، ذكرنا فيها ما كثر الحديث فيه من وضع الإنكليز مشروع معاهدة

تعقدها مع حكومة العراق، لا يذكر فيها الانتداب الذي صار لفظه ممقوتا عند

العراقيين كلفظ الحماية عند المصريين وغيرهما، ولكنها تضمن لهم كل ما يبغونه

في العراق من سلطة ومنفعة، وذكرنا أن العراقيين لا يخدعون بالألفاظ والمظاهر

دون الحقائق، وذكرناهم بأن ما يعطونه للإنكليز بالمعاهدة إذا كان مخلا بالاستقلال

المطلق من كل قيد - فتقييده بالانتداب أقل خطرا من جعل الإنكليز مطلقي

التصرف فيه.

وقد أعلنت بعد ذلك هذه المعاهدة مؤلفة من 18 مادة موقعا عليها من المندوب

البريطاني، ومن رئيس وزارة العراق عن حكومتهما، بل ملكيهما، فإذا هي صك

لاستعباد الدولة البريطانية للعراق، فالمادة الأولى منها نص في تعهد ملك الإنكليز

لملك العراق - بناء على طلبه - بما يقتضي لدولته من المشورة والمساعدة بدون

أن يمس ذلك بسياستها الوطنية! ، وقد عرفنا معنى المشورة في مصر فإذا هي

سلب السلطة كلها من الحكومة الوطنية، وجعلها كالآلة، وعرفنا معنى المساعدة في

السودان، فدفع الإنكليز 800 ألف جنيه مساعدة على فتحه، يدعون بها الآن

امتلاك السودان كله إلى الأبد.

والمادة الثانية هذا نصها: (يتعهد جلالة ملك العراق بأن لا يعين مدة المعاهدة

موظفا ما في العراق من تابعية غير عراقية في الوظائف التي تقتضي إدارة ملكية

بدون موافقة جلالة ملك بريطانيا، وستعقد اتفاقية منفردة لضبط عدد الموظفين

البريطانيين، وشروط استخدامهم على هذا الوجه في الحكومة العراقية) .

وهذه المادة أظهر المواد في إثبات سوء نية الإنكليز، وكون الاستقلال لفظيا

مجردا من كل معنى، وإلا فلماذا يمنع ملك الإنكليز ملك العراق أن يوظف من شاء

وشاءت حكومته من سوري أو مصري أو غيرهما من الشعوب العربية في هذه

البلاد العربية بدون موافقتهم؟ !

والمادة الثالثة فيما يفترض على حكومة العراق في قانونها الأساسي في اعتبار

(حقوق ورغائب ومصالح جميع السكان في العراق، ويكفل لهم حرية الوجدان

التامة، وحرية ممارسة جميع أشكال العبادة، وأن لا يكون أدنى تمييز لبعضهم

على بعض بسبب الجنس أو الدين أو اللغة ... ) إلخ.

والمعنى أن لا يكون للوطنيين أدنى امتياز في شيء ما من أمور الوطن

والحكومة على أي أجنبي شرقي أو غربي في حق ولا مصلحة ولا رغبة ... (؟) ،

وسيعلم العراقيون ما وراء هذه الدسائس من الصغار والهوان لهم في وطنهم إذا

خانت الجمعية الوطنية بلدها، فصدقت على هذه المعاهدة!

والمادة الرابعة في التزام ملك العراق قبول ما يقدمه له ملك الإنكليز من

المشورة بواسطة المعتمد السامي في جميع الشؤون المهمة المتعلقة بالتعهدات

والمصالح الدولية والمالية للثاني، وأن يستشير المعتمد السامي الاستشارة التامة في

كل ما يتعلق بالأمور المالية والسياسية، والمعنى أنه غير مستقل في شيء من ذلك!

والمادة الخامسة في حق ملك العراق في التمثيل السياسي في لندن وغيرها

مقيدا (بما يتم عليه الاتفاق بين الفريقين الساميين المتعاقدين) ، بأن يكون

العراقيون تحت حماية ملك بريطانية في كل مكان لا ممثل لملكهم فيه؟ !

والمادة السادسة في تعهد ملك بريطانية بإدخال العراق في جمعية الأمم، وهذه

المادة هي التي يظن بعض الجاهلين أنها المنة الوحيدة على العراق، وليس كذلك.

والمادة الثامنة في الحظر على حكومة العراق أن تبيع أو تهب أو تؤجر شيئا

من أرض العراق إلى دولة أجنبية! ، وهذه المادة أهم المواد عند الإنكليز؛ فإنهم لم

يعطوا العراق الاستقلال اللفظي إلا لأجل أن يمنعوا الدول القوية - كالولايات

المتحدة - أن تشاركهم في بترول البلاد، أو غيره من مواردها.

(لها بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

عطوف آل رضا

أنعم الله تعالى على صاحب هذه المجلة ببنت كاملة الخلق، ولدت له قبل فجر

29، من هذا الشهر، سماها عطوفا، فنسأله تعالى أن يجعلها قرة عين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٦٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٦٧٩