تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تاريخ فنون الحديث،

والكشف عما طرأ عليها من جمع

وتصنيف، وترتيب وتهذيب، وشرح وتبيين حتى تتمثل لك - أيها القارئ الكريم -

صورة واضحة ترى فيها كتب السنة ماثلة، وتلمح في ثناياها تلك الخدمات الجليلة

التي أداها للسنة سلفنا الصالح، وتبصر في أساريرها رفيع مقام السنة، وناصع

بياضها وجليل أمرها، وإني وإن لم أسبق إلى هذا النوع من الكتابة، حسب ما أعلم،

ولم يمهد أحد قبلي صعابه، فإن أملي في الله عظيم، ورجائي في واسع فضله كبير

أن يسدد لي خطاي، ويوفقني لمسعاي، ويمدني بروح من عنده يهديني بها قصد

السبيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

***

معنى تاريخ السنة

السنة في اللغة: الطريقة المسلوكة، من سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه

حتى يؤثر فيه سنا؛ أي: طريقا، وهي إذا أطلقت تنصرف إلى الطريقة المحمودة،

وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة

سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) رواه مسلم، وتطلق في

عرف الشرعيين على قول النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، عدم

إنكاره لأمر رآه أو بلغه عمن يكون منقادا للشرع فهي مرادفة للحديث، وأعني

بتاريخها الأداوار التي تقلبت فيها من لدن صدورها عن صاحب الرسالة صلى

الله عليه وسلم إلى أن وصلت إلينا من حفظ في الصدور، وتدوين لها في

الصحف، وجمع لمنشورها وتهذيب لكتبها ونفي لما اندس فيها، واستنباط من

عيونها، وتأليف بين كتبها، وشرح لغامضها ونقد لرواتها، إلى غير ذلك مما

يعرفه القائمون على خدمتها والعاملون على نشر رايتها.

***

أدوار تاريخ السنة

حفظها في الصدور، تدوينها مختلطة بالفتاوى، إفرادها بالتدوين، تجريد

الصحيح، تهذيبها بالترتيب والجمع والشرح، فنون الحديث المهمة، وتاريخ كل

علم، وأحسن المصنفات فيه.

وسنعقب ذلك بخاتمة فيها مسائل قيمة.

***

مكانة السنة من الكتاب

قبل أن نشرع في موضوعنا نقدم لك بين يديه فصلا نبين فيه مكانة السنة من

الكتاب ومنزلتها منه حتى تنجلي لك مكانة الموضوع الذي نحن بصدده، فنقول

وبالله توفيقنا وعليه اعتمادنا:

إن للسنة عملين:

1- تبيين الكتاب.

2- والاستقلال بتشريع الأحكام. أما الأول؛ فلقوله تعالى: {وأنزلنا إليك

الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} (النحل: 44) ، فلا سبيل إلى العمل بجل

الشرائع التي تضمنها الكتاب إلا ببيان من المعصوم يفصل مجملها، ويوضح مشكلها،

ويعين محتملها، ويقيد مطلقها، وكيف تراك مصليا إذا وقفت إلى ما نطق به الكتاب

فحسب، ولم تعرض على السنة فتتعرف أوقاتها وعدد ركعاتها وسجداتها وما يقيمها

أو يبطلها إلى سائر أحكامها وكثير أنواعها؟ وما الذي تخرجه من مالك زكاة إذا لم

تسترشد بكتاب الصدقات من السنة؟ ثم كيف تؤدي مناسك الحج إذا لم تأتس

بالرسول في قاله وحاله يوم أن حج بالناس حجة الوداع، فلا جرم كان القرآن في

حاجة إلى السنة ورحم الله الأوزاعي إذ يقول: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى

الكتاب. ولا عجب في ذلك، فإن المجمل في حاجة إلى البيان، ولا كذلك المفصل.

وأما الثاني؛ فلقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر: 7) ، وقوله جل شأنه: {وأطيعوا

الله وأطيعوا الرسول} (المائدة: 92) إلى غير ما آية، وكيف ننكر استقلال

السنة بتشريع الأحكام وقد أخرج أبو داود والترمذي عن المقدام بن معد يكرب قال:

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: (يوشك رجل منكم متكئا على أريكته

يحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال

استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما

حرم الله) زاد أبو داود: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ، وقد حرمت السنة

نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وحرمت الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٣