المعاهدة البريطانية الحجازية
وخدعة الوحدة العربية
بلغنا منذ بضعة أشهر أن الدكتور ناجي الأصيل الموصلي ذهب إلى مكة وأخذ
تفويضا من ملك الحجاز بالسعي لدى أرباب الأموال من الإنجليز بعقد امتيازات في
الحجاز باستخراج المعادن وبغير ذلك، ثم سافر منها إلى (لندن) مارا بمصر، ثم
شاع أن الدكتور وكيل سياسي لملك الحجاز، ثم جاءتنا أخبار أوروبة العامة
والخاصة بأنه ذهب إلى لوازن لحضور مؤتمر الصلح فيها بالوكالة عن ملك الحجاز،
وأنه كان هنالك مع جعفر باشا العسكري البغدادي مندوب الملك فيصل ملحقين أو
تابعين للوفد البريطاني، ولنا من أخبارهما التفصيلية الفاضحة هنالك ما ليس من
موضوع هذا المقال.
ثم إن برقيات روتر الإنجليزية وجرائد لندن أذاعت في العالم كله نبأ عقد
مؤتمر عربي يمثل الشعوب العربية كلها؛ لأجل حل المسألة العربية ووضع أساس
الاتحاد العربي، ثم علمنا أن أعضاء هذا المؤتمر خمسة نفر من صنائع أمراء
الحجاز ووسائلهم لدى الإنجليز وهم جعفر باشا العسكري وناجي بك السويدي
والدكتور ناجي الأصيل وأمين بك التميمي وإحسان بك الجابر. فتذكرنا بذلك ما
كانت البرقيات والجرائد الإنجليزية بلغتنا إياه عند إعلان (اتفاق سايكس بيكو)
على قسمة البلاد العراقية والسورية بين إنجلترة وفرنسة، إذ زعمت أن الأمة
العربية قد اشتركت في الاحتفال بإعلان هذا الاتفاق في لندن بحضور ممثليها فيه،
ثم علمنا أن المراد بهؤلاء الممثلين تاجر سوري مسيحي مقيم بلندن ومتجنس
بالجنسية الإنجليزية وأسير مسلم من عكا اسمه إسماعيل.
وهذا شأن الأجانب في العبث واللعب بالشعوب والأمم والكذب والتزوير:
رجلان مجهولان يمثلان أمة بدون علمها ولا إذنها، ويقرران إبسال بلادهم
واستعبادها، أو ينسب ذلك إليهم، وخمسة نفر يعقدون مؤتمرا باسم الأمة العربية
بدون توكيل ولا إذن ولا علم منها، وذلك أنهم يعملون بأمر الأجنبي في بلده.
وأما المؤتمر السوري الفلسطيني الذي عقد في جنيف ممثلا للأحزاب
الاستقلالية في الوطن والمهاجر، والمؤتمر السوري العام المنتخب من جميع المناطق
السورية. والمؤتمرات الفلسطينية العامة المنتخب أعضاؤها من جميع بلاد
فلسطين - فهي لا تمثل من تتكلم باسمهم في عرف الأجانب المغتصبين للبلاد.
ثم أذاعت البرقيات والجرائد الإنجليزية في أقطار العالم أن ناجي الأصيل قد
اتفق مع الحكومة البريطانية على عقد معاهدة بريطانية عربية تقرر فيها اتحاد
الممالك العربية واستقلالها، فكانت الجرائد العربية تعنى بنقل هذه الأخبار والتعليق
عليها في مصر وفلسطين وسائر سورية وفي مهاجر السوريين، واغتر بذلك كثير من
الناس وصدقوها، واتسع مجال الإيهام والتغرير لجرائد الدعاية (البوبغندة)
الحجازية في سورية وفلسطين بها فصورت للبسطاء تأليف سلطنة (إمبراطورية)
عربية مؤلفة من جزيرة العرب برمتها ومن ممالك فلسطين وشرق الأردن والعراق
والدويلات السورية، وصدق أحداث السياسة والعوام في سورية أن بلادهم داخلة
في هذه الإمبراطورية الجديدة. وروج هذه الخدعة الخيالية فيهم ما نقلته إليهم
الجرائد من تودد الأمير عبد الله الحجازي لفرنسة فحسن عندهم هذا لتحقيقه الغاية
التي أذاعوها منذ حلول ركابه في شرق الأردن، وهي أنه ما جاء إلا لإنقاذ سورية
من فرنسة، ومن البديهي أن إنقاذه إياها بالدهاء السياسي أولى وأسلم من إنقاذها
بالحرب. وكل ذلك غش وخداع لم يتقن هؤلاء الأمراء الحجازيون من أمور
السياسة العصرية غيره، وهو إنما يقوم بالبذل.
كان بعض الإخوان يسألونني عن رأيي في هذه الأخبار كلما حملت الجوائب
شيئا منها فأقول: إنني أتمنى لو يكون فيها خير ولكنني أعتقد أنها خداع وتضليل
فلو كان الإنجليز يريدون للعرب الاستقلال والاتحاد لما احتاجوا إلى الدكتور ناجي
الأصيل في وضع الخطط لذلك، وإنما يريدون من وكيل الملك حسين الاتفاق على