146- 149
) ، وما قصه لنا عن سبأ في سورتها كجناتهم عن اليمين والشمال،
واتصالها بالقرى المباركة في أرض الشام، ونظام السير المقدر بالأوقات، وحفظ
الأمن فيها بالعدل والنظام، وذلك قوله تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي
باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} (سبأ: 18) ، وناهيكم بقصة ملكتهم مع نبي الله سليمان، وكونها أوتيت من كل
شيء يؤتاه الملوك في ذلك الزمان، مع القوة والحكم بالشورى دون الاستبداد.
ومن ذلك ما أثبته الذين اكتشفوا آثار الكلدانيين في العراق وشريعة ملكهم
حمورابي من كون شريعتهم عربية ودولتهم عربية، وهذا الملك كان يسمى ملك البر
والسلام، وفي سفر التكوين من أسفار التوراة أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام
أعطاه العشور؛ إذ كان من رعيته وأنه بارك إبراهيم، فدل هذا على أن إبراهيم -
صلى الله عليه وعلى آله - كان عربيا أيضا.
ومن ذلك ما اكتشفه أحمد بك كمال العالم الأثري المصري من امتزاج اللغة
المصرية القديمة (الهيروغليفية) باللغة العربية الدال على أحد أمرين، إما أن
العرب وقدماء المصريين من عرق واحد، وإما أن العرب قد استعمروا مصر
وحكموا فيها قبل دولة الرعاة العربية المعروف خبرها في تاريخ مصر، فكان
للغتهم الأثر الخالد في لغتها.
هذا إلماع تاريخي وجيز لمدنية العرب وقوتهم وعمرانهم في التاريخ القديم منذ
ألوف السنين، وإن في لغتهم الغنية الراقية الواسعة دلائل أخرى على ذلك متعددة
المناهج واضحة المسالك.
قد ضعفت الأمة العربية بعد تلك القوة، وبدت بعد تلك الحضارة، وخرب
معظم بلادها بعد ذلك العمران، وغلبت عليها الأمية، وكادت تعمها الجاهلية الوثنية
{فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر
مشيد} (الحج: 45) ، ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (هود: 117) ، ومر على هذا الضعف قرون وتعاقبت عليه أجيال، حتى ظن
الظانون أن هذه الأمة هرمت وقاربت الزوال، فلا تقوم لها قائمة ولا يتجدد لها
شباب.
ثم جاء الإسلام فجمع شملها بعد فرقة وشتات، وألف بين قلوب قبائلها
وأفرادها بعد عداوة تأرثت بها الأضغان وتحكمت فيها الثارات، وأخرجها من
ظلمات الجاهلية والأمية، إلى نور العلم والحكمة والنظام والمدنية، وجعل لها
المكانة الأولى بين أمم الأرض في السيادة والرياسة، والكلم العليا في الحكم
والسياسة، فورثت ملك القياصرة والأكاسرة في الشرق، وامتد سلطانها في القرن
الأول من حدود الهند إلى المحيط الغربي وهو آخر ما كان يعرف من اليابسة في
الغرب، وأحيت في هذه الممالك الواسعة العلوم والفنون، ورقت الصناعة والزراعة،
وسلكت السبل الجديدة للتجارة، فسادت شريعتها جميع الشرائع، وعلت لغتها
جميع اللغات، وفاقت آدابها جميع الآداب.
ولكن حظ جزيرتها من هذا العمران كان قليلا، ثم دب إليها الخراب، وعاد
أكثر أهلها إلى البداوة والأمية والجاهلية، أو ما يقترب منها، بل صاروا دون
الجاهلية في بعض الصفات والمزايا حتى اللغة، فأنى لبدو الجزيرة وحضرها في
هذا العصر بما يقرب من تلك الملكة العليا في الفصاحة والبلاغة التي جعلت لكتاب
الله المعجز تلك المكانة في عقولهم وقلوبهم؟ حتى إن كان أحدهم ليسمع السورة أو
الآية منه فيخر ساجدا، وتتحول عقائده وأخلاقه وعاداته بهدايته إلى ضدها.
عاد أهل الجزيرة إلى جاهلية يضرب بعضهم رقاب بعض بعد ألف الإسلام
بينهم، فكانوا بنعمة الله إخوانا، ويرتزق قويهم بسلب ضعيفهم بعد أن كانوا يؤثرون
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وفرقوا دينهم فصاروا شيعا تكفر كل شيعة
منهم الأخرى أو تفسقها بعد تلك الوحدة العظيمة، جاهلين أو غافلين عن قول ربهم
لرسولهم صلى الله عليه وسلم {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم