تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: شكيب أرسلان

-----------------

<span class="footnote">

كوارث سورية في سنوات الحرب

من تقتيل وتصليب ومخمصة ونفي

مشاهدات ومجاهدات شاهد عيان هو الأمير شكيب أرسلان

(2)

ثم نعود إلى حوادث سورية التي كنا في صددها، فنقول:

عهدنا بالبيكباشي شكري بك رئيس الديوان العرفي الذي كان في عاليه أنه

(حي يرزق) ، وكان تقرر بيننا وبينه أن نفتح بعد نهاية الحرب مسألة سورية في

مجلس المبعوثين في الآستانة ونطلب شهادته وأنه يشهد بكل ما جرى معه، على

أن شكري هذا - وإن استظهر جمال عليه بما في ديوان الحرب من مستنطق ومدع

عمومي، وأكثر الأعضاء - قد أمكنه إنقاذ بضعة عشر شخصا من الموت؛ لأن

جمالا طلب الحكم على أربعين كما تقدم، فلما بالغ في المعارضة نزل معه جمال

إلى عدد 27، ووقف هناك ولكن شكري بك تمكن من تخليص ستة من هؤلاء

أيضا، وتقدم ذكر رأيه فيهم، ولما نفذ الحكم استعفى حالا، وذهب إلى الآستانة

مغاضبا لجمال باشا.

مسألة نفي السوريين إلى الأناضول:

قبل أن أنفذ الحكم بالقتل على الواحد والعشرين رجلا - الذين صلبوا في

ساحة المرجة بالشام وساحة البرج في بيروت - أخذ جمال ينفي العائلات مئات

وألوفا إلى الأناضول من كل مدن سورية، وكان يعتمد في ذلك على جداول يقدمها

له مديرو البوليس وغيرهم من جواسيسه وشكل لجنة سماها (قومسيون التهجير [1]

تحت رئاسة رجل اسمه نوري بك كان (مكتوبجيا) بالشام وكان من أشد الناس

ضراوة بالضرر والفساد، وكان يكره في الباطن جمالا وطلعت وكل رجال جمعية

الاتحاد والترقي، ولكنه يغري جمالا بالنفي أو التغريب انتقاما منهم؛ لعلمه أن هذه

الأعمال ليس وراءها إلا الخراب وقيام الأهالي، وقد نبهنا جمالا إلى هذا الأمر،

وحذرناه من نوري وأحزابه، ومن أقوال الجواسيس، وأعلمناه أنهم لا يخبرونه إلا

بما يرون أنه يقربهم إليه زلفى من السعايات والوشايات، فلم يكن يعبأ بكلامنا،

وكان يعتقد أنه لا تخفى عليه خافية، حتى لو قلت إنه كان يظن نفسه ملهما

ومعصوما من الخطأ لما كنت مبالغا! ومن جملة من بدأ (بتهجيرهم) أسرة

المرحوم الأمير عبد القادر الجزائري، ولما راجعته في ذلك قال لي: إن عنده أدلة

ووثائق خطية تثبت خيانتهم وخدمتهم لفرنسا في سورية، فقلت له: الذي أعلمه أن

الأمير سعيدا الجزائري كان لا شغل له إلا شتم فرنسا فقال هذا من باب الاحتيال؛

لأجل أن تسكته فرنسا بالمال، فقلت له: مهما يكن من الأمر فإن مراعاة هذا البيت

واجبة لكون الأمير عبد القادر له منزلة سامية في العالم، فأجابني (بكأنه) ،

ومعناها هنا: ماذا ينالني من ذلك؟ .

(المنار)

وقد أطال الكاتب هنا في ذكر وقائع جزئية:

(منها) أنه لما بلغه أمر جمال باشا بنفي بعض وجهاء لبنان - وكان الأمير

توفيق أرسلان والأمير فؤاد أرسلان ابنا عمه منهم - كلمه وكتب إليه محاولا صرفه

عن هذا العزم فلم يأبه له، فتوسل إليه بعزمي بك والي الشام كما ذكر أولا،

فغضب، وأنذره أن لا يراجعه في شيء من أمر المنفيين، ونشر في الجريدة

الرسمية أنه لا يسمح لأحد بالافتيات عليه في ذلك. وقد كاشف رئيس لجنة النفي

(قومسيون التهجير) محمد فوزي باشا العظم بأن المراد بإنذار الجريدة هو الأمير

شكيب، فنصح له الباشا بأن يقف عند ذلك الحد خوفا على حياته. وعلل ذلك بأنه

يفعل ما يشاء بلا معارض، وهو - على علمه بأن هذا الكلام حق - لم ينثن عن

عزمه.

(ومنها) أنه على تعرضه للخطر بهذا السعي لهؤلاء - كان بعضهم يتهمه

بأنه هو الذي أغرى جمالا بهم، ويستدلون على ذلك بأنه ليس في المنفيين أحد من

حزبهم الأرسلاني، وإن الجواب على ذلك سهل، وهو (أن الحزب الأرسلاني

معروف قديما وحديثا بأنه الحزب المناوئ للأجانب على الإطلاق، وأنه الحزب

العثماني الوحيد في الجبل، وسواء كان ذلك حسنة أو سيئة فهو حقيقة يعرفها كل

أحد، فغير معقول أن تعمد الدولة إلى رؤساء هذا الحزب فتنفيهم مهما بلغ من

خوفها) .

(ومنها) أن جمال باشا كان يعتمد في اختيار من ينفيهم على بلاغات

الجواسيس الموظفين والمتطوعين، وأن علي منيف بك متصرف لبنان كان

معارضا له في خطة النفي، وكلمه في ترك نفي أحد من الجبل، فلما لم يقبل

انتخب له من تواتر عنهم الميل إلى الأجانب، ومنهم من وجد في أوراق قنصلية

فرنسا ببيروت وثائق تجرح صداقتهم للدولة، ومن تقدمت عليهم شهادات أخرى.

وذكر الكاتب عنا تقارير الشرطة السرية وعيون الحكومات وأنه كان للدولة منها

بعض ما للمحتالين في سورية وفلسطين الآن.

(ومنها) أنه لو كان للكاتب أدنى مشاركة أو مساعدة لجمال باشا على أفعاله

لما أمكنه أن يشنع عليه في الآستانة ويسعى لمحاكمته، ولكان جمال باشا يقول: إنه

كان قد أغراني بذلك وحسنه لي فأخذت بقوله وقول أمثاله لثقتي بعلمهم بحال البلاد.

ثم قال الكاتب:

هذا، ولما صدر الأمر بنفي حبيب باشا السعد من جملة من صدر الأمر بنفيهم

من لبنان جاء دمشق وزارني في محلي، وقال لي: إنه سمع من إسبر أفندي شقير

وغيره عن الجفوة التي جرت بيني وبين جمال باشا من أجل مسألة النفي والقتل

فهو لذلك لا يكلفني الكلام معه في أمره، بل الكتابة إلى علي منيف متصرف الجبل

الذي هو صديقي؛ لعله يتمكن من إقناعه، فحكيت له كل ما جرى وحررت لعلي

منيف كتابا بأن يبذل جهده في صرف جمال عن نفيه، فإن لم يمكن فليكن النفي إلى

أطنة لا إلى داخل الأناضول، ثم توجهت إلى الجبل وبيروت وسألت علي منيف

بك عن مسألة حبيب باشا وغيره، فأجابني أنه لم يدخر وسعا في صرف جمال باشا

عن فكرة النفي فلم يفلح، ولكنه خلص أناسا كثيرين وأما حبيب السعد فقد كتب إلى

والي أطنة جودت بك بأن لا يشخصه إلى أبعد منها متى وصل إليها، وهكذا تم،

وبقي حبيب في أطنة، وتحاب مع جودت بك. ولقد صادف وصولي إلى لبنان بقاء

بعض المنفيين على أهبة السفر مثل رشيد بك نخلة فأقنعت علي منيف بإبقائه

لانحراف صحته، فخلصه بالرغم من إلحاح جمال باشا بتسفيره، وكان أخي عادل

خلص عدة أشخاص بحجة المرض مثل أمين بك عبد الملك وخليل بك عقل شديد

وغيرهما.

وأما إسبر أفندي شقير فكان جمال باشا نفاه إلى القدس ثم سمح له بالمجيء

إلى الشام وعندما صار في الشام تعبت كثيرا في إعادته إلى بيته؛ لأنه كان بيني

وبينه جفوة مزمنة، وكنت أترقب فرصة لأجل أن أسدي إليه هذه اليد على ما بيننا

من النفور. ولما كان جمال علق له رخصة الرجوع إلى البيت على رضى

متصرف لبنان ووالي بيروت - راجعت بذلك كلا من علي منيف وعزمي بك،

وبالرغم مما أبداه عزمي من التصعيب أقنعتهما بالقبول على أن أكون كفيلا لإسبر

أفندي فلما جاء جمال إحدى جيئاته إلى بيروت تكلم معه الواليان المشار إليهما أمام

أناس من بيت سرسق بشأن إسبر شقير، وأنني أنا الذي يلح في هذا الأمر،

فغضب جمال وبدرت منه كلمات بحقي وأشاع أبناء سرسق ثاني يوم أن جمال باشا

غضب علي بسبب إسبر أفندي، وخاف علي أصحابي، بل جاءني فوزي بك ابن

إسبر أفندي ورجاني أن لا أعرض نفسي للضرر من أجلهم وأنهم هم قد عرفوا

صديقهم من عدوهم، ونجاحي في تخليص والدهم وعدمه لا يقدمان ولا يؤخران

شيئا في امتنانهم مما جرى، ثم ذهبت بعدها إلى الشام، فكان كلام إسبر أفندي معي

طبق كلام ولده فوزي. نعم، إنه تخلص - فيما بعد - بقرار حصلنا عليه بمساعدة

طلعت بشأن عم جميع المنفيين الذين فوق الستين، ومع هذا كان يعد حسن نيتي

وإخلاصي السعي له جميلا وينوه به ويلوم من أساءوا الظن بي من المنكوبين

ويزيل ما لصق بأذهانهم من الشبهات، على حين كان الذين نفعتهم فعلا ودفعت

عنهم شرورا عظيمة وعاركت من أجلهم في مواقف عديدة - قد نسي أكثرهم

الجميل وأنكروه ومنهم من قابلوا الإحسان بالإساءة والود بالشماتة.

ووجدت رجلا آخر، بلغت به الجرأة الأدبية أن دافع عني بقلمه بعد الحرب

ألا وهو المرحوم سليم بك المعوشي قائمقام جزين فقد كنت أيام الصفاء مع جمال

لأول الحرب - استرجعت أمر جمال بنفيه إلى القدس ثم وجدت أوراقا في قنصلية

فرنسا أوجبت القبض عليه، وحبسه في عاليه، فتمكنت - بواسطة رئيس الديوان

العرفي وأعضائه وبإقناعهم بكون هذه الأوراق لا بال لها وليس فيها خيانة للدولة -

أن أطلق سراحه بدون أن يعلم بذلك جمال، فكان هو الرجل الوحيد الذي نشر عند

نهاية الحرب في إحدى الجرائد ما معناه: أنني أعلم أن كلامي لا يرضي الكثيرين

ولكن الحق أولى أن يتبع، وهو أن الأمير شكيب أرسلان لم يشترك في شيء من

أعمال جمال باشا، بل خاصمه وعانده من أجلها إلخ.

هذا، ولو كانت الحرب انتهت بغير ما انتهت به لم أكن عرضة الآن لافتراء

بعض المفسدين المتملقين للحلفاء! ، ويا ليت الواقفين على أقاويلهم اليوم سمعوا

نغمة الرؤساء والزعماء في لبنان أيام الحرب وهم يقولون في هذا العاجز على

ضعفه وقصوره: هذا أمير البلاد وأبوها وأمها وإن لم يحافظ عليها هو فمن يا تراه

يحافظ عليها إلخ؟ ! ، ولكن لما دارت الدائرة على ألمانيا وتركيا انقلبت

الحقيقة لديهم وصار الأبيض أسود في نظرهم؛ إذ أكثر الناس ينظرون من وراء

لون الأحوال الحاضرة وكأن الحقائق - ويا للأسف! - هي أيضا رهائن الأقوياء

موقوفة لخدمتهم.

حال جمال باشا بعد ثورة الحجاز:

هذا، ولما ثار الشريف بالحجاز وسرت الحركة إلى سورية خاف جمال

العواقب، فعدل عن المخاشنة إلى المحاسنة، واستدعاني أنا وكامل بك الأسعد

وسليم باشا الأطرش ونسيب بك الأطرش وكنج أبا صالح شيخ مجدل شمس

وغيرنا من الزعماء وتكلم معنا في اتحاد العرب والترك وفي مقاصد الدولة العلية

الحقيقية وأفاض بكلام بعضه صحيح وبعضه سياسة، والتمس منا السهر على

الأمانة للدولة. وأنا - وإن كنت لم أصدق كلامه في البراءة من السياسة الطورانية -

لم أخالفه في الطعن بسياسة الشريف من جهة محالفته لإنكلترة وتصديقه

لمعاهداتها ... وقلت - قبل الحرب وكررت في أثناء الحرب وبعد الحرب ولا أزال

أقول -: إن كل عربي يصدق أن دول الحلفاء يسعين في استقلال العرب - لا بل

يقبلن باستقلال العرب - يكون في عقله خبال! ، وأنهن ما أردن إلا فصل العرب

عن الترك؛ ليتسهل لهن ابتلاع الأمتين، هذه هي غايتهن. ولي - بذلك قبل

الحرب - نظم من جملة قصيدة في سيرة صلاح الدين الأيوبي:

وكيد على الأتراك قيل مدبر ... ولكن لصيد الأمتين حبائله

إذا غالت الجلى أخاك فإنه ... لقد غالك الأمر الذي هو غائله

وطلب مني جمال أن أرافقه في سياحة إلى حوران وجبل الدروز واستصحب

أيضا المرحوم عبد الرحمن باشا اليوسف وسامي باشا مردم بك وبعض العلماء

والمعممين، وأراد أن يجلو ما كان أظلم بيني وبينه، فلما كنا في مقعد السويداء

بجبل الدروز، وكان قبض قبل ذلك على شكري باشا الأيوبي وعدة رجال منهم

فارس أفندي الخوري أحد المشار إليهم بالبنان في سورية علما وفضلا، واتهمهم

بمؤامرات سبقت لهم مع الأمير فيصل، فانتهزت تلك الفرصة وتكلمت معه بشأن

هذه القافلة الثالثة على مسمع من عبد الرحمن باشا اليوسف ووجيه أفندي الأيوبي

وحيدر بك ابن سامي باشا مردم بك وما زلت ألح عليه بشأنهم، حتى وعد بأن

يطلعني على أوراق وجدت معهم وأنها تثبت خيانتهم، ولما نزلنا الشام قال لي: إن

التحقيقات لم تتم فصرنا نراوحه الشفاعة ونغاديه، ولا سيما بفارس أفندي الخوري،

والشيخ خضر حسين التونسي الأديب العالم الفاضل، والمرحوم الشيخ صالح

الرافعي وأناس من وجوه راشيا وآخرين من وجوه زحلة - أوصلتهم إلى السجن

تقريرات شاب طرابلسي، ولعب في هذه المسألة دورا مهما المسمى توفيق بك الذي

جعله جمال باشا وكيلا لولاية الشام، فاجتهد هذا التوفيق - لا وفقه الله - كل

الاجتهاد في إثبات أن هناك مؤامرة على قتل جمال وخلع طاعة الدولة. وكانوا

يضربون الناس ضربا مبرحا ويعذبون الشهود؛ ليقرروا ما يريدونه هم. وقيل: إن

هذا الجهد البالغ لإثبات وجود المؤامرة هو لأجل إقناع رجال الدولة والرأي العام -

الذي كان بدأ يقيم النكير على جمال في الآستانة - بأن جمالا لم يعتد على أحد،

وأنه لا تزال المؤامرات وحركات الثورة في سورية متصلة، ولكن جمالا اضطر

في هذه المرة إلى الاكتفاء بالحبس ولم يتجاوز إلى القتل، فقيل: إن شريف مكة

أرسل ينذرهم أنهم إن قتلوا في هذه المرة أحدا قتل هو جميع الأسرى الذين عنده من

الأتراك وفي مقدمتهم الوالي غالب باشا. وقيل: إن الآستانة أنذرته هذه النوبة إنذارا

شديدا بأن يعدل عن خطته المعهودة؛ لأنه قد طفح الكيل وقد كفى ما جرى، فلذلك

رأينا هذه الدعوى أخرجت في يوم من الأيام من يد توفيق وكيل الولاية وتحولت

إلى ديوان عرفي في الشام أخذ ينظر فيها مجددا ويطرح الشهادات المأخوذة بقوة

الضرب والتعذيب ويسلك مسلك العدالة وأمكننا يومئذ إطلاق سبيل أناس من مشايخ

راشيا وآخرين من زحلة وواحد من عرمون الغرب. ثم أطلق سبيل الشيخ صالح

الرافعي والشيخ محمد خضر حسين التونسي اللذين كان ذنبهما أنهما استفتيا في أحد

المجالس في جواز الخروج على الدولة فلم يفتيا بذلك ولكن لم يبادرا بإخبار جمال

باشا بوقوع هذا الاستفتاء ولو كان هذا الاستفتاء مجرد كلام فارغ من أناس لا شأن

لهم. أما شكري الأيوبي فكانت قضيته شديدة؛ لأنه اعترف بالاتصال بفيصل

وكونه اشترك معه في انتقاد الأحوال. وأما فارس الخوري فذنبه الوحيد أنه سأله

الشاب الطرابلسي رأيه في عمل ثورة فأنكر هذا الأمر ونهاه عن الخوض فيه، لكن

جمالا يقول: لو كان فارس الخوري أخبرني يومئذ بما سئل عنه لعلمت بنية فيصل

وقبضت عليه، ولم أدعه يذهب إلى الحجاز، ولم تكن حصلت ثورة الحجاز؛

ففارس الخوري هو سبب هذه الثورة بسكوته، والحال أن فارسا الخوري قرر -

ونحن طالما أكدنا لجمال باشا - أن ذهاب فيصل إلى الحجاز كان قبل المسألة التي

سئل عنها فارس أفندي ومع هذا بقي فارس نحو أربعة أشهر بين أربعة حيطان.

(وهنا ذكر الكاتب مجيء وفد الآستانة إلى سورية وقول مبعوثها صلاح بك

جيمجوز الشهير بجرأته: إن موعد افتتاح المجلس قد حان ولا يرضون أن يكون

أحد المبعوثين محبوسا، وإن هذا كان سببا لقبول جمال إطلاق فارس الخوري

بكفالة الكاتب بشرط استقالته من المجلس) .

مصادرة جمال باشا لغلال سورية:

ثم إنه خطر لجمال باشا خاطر غريب من جهة تأمين الجيش على ميرته -

وهو جمع حبوب البلاد كلها موسم سنة 1916 وادخارها في أنبار العسكرية

وإعطاء الأهالي والعساكر جميعا حاجتهم من المنازل والأنابير بموجب وثائق، وقد

اقتدح هذا الرأي ولم يجرؤ أحد - لا من أعيان البلاد ولا من كبار المأمورين - أن

يبين له ضرر هذا التدبير إلا أنا، فراودته كثيرا أن يرجع عن هذا الفكر لأسباب

عديدة: (منها) أن الأهالي - ولا سيما الفلاحين - لا يمكن أن يقدموا جميع غلات

أراضيهم ويصيروا عالة على المنزل، كلما أرادوا أخذ مقدار من الحب لقوت

عيالهم وعلف دوابهم - اضطر الواحد إلى تقديم وثيقة والإنظار أياما وليالي أمام

باب المنزل، فهذا الفلاح سيطمر في الأرض كل ما يقدر عليه من محصوله، فيقل

مجموع الموسم عما هو، (ومنها) أنه إن كان المقصود هو تأمين الجيش على

قوته فيمكنكم عمل حساب ما يلزم الجيش كل يوم، ومن ثمة ما يلزمه طول السنة

الواحدة، وقسم من العام القابل وبعد معرفة مجموع اللازم طرحه على الولايات

والألوية بحسب درجات غلاتها وإقبال مواسمها، وأما أخذكم الجميع - سواء احتاج

الجيش إلى كل هذا المقدار أم لا - فإنه يوهم الناس أن مقصودكم إماتتهم جوعا

والآن يذيع كثير من المفسدين بين العامة أنكم ترسلون بجانب من الحبوب إلى

ألمانيا وعقول الساذجين تصدق هذه الفرية، فلم يقبل النصيحة، وحصل كل ما

كنت تكهنت به؛ لأن الذي أعطى جميع حاصلاته احتاج الحب، فكان يذهب إلى

المنزل فلا يأخذ مد القمح إلا بعد اللتيا، والتي، وإن الأكثرين طمروا في الأرض

أكثر حاصلاتهم، فتصور جمال أنه بإنذاره الأهالي أن من يخفي منهم شيئا من

الحبوب يجزى بالقتل - يخاف الأهالي فيقدمون كل ما عندهم من الغلة والحال أن

هذا الإنذار لم يزدهم إلا تكتما في العمل، فصار الواحد يطمر الحب في جوف الليل

تحت الأرض ويأخذ منه حاجته لعياله ودوابه، وإذا جاءه أي كان وطلب منه حفنة

من الحب بحجة أن أولاده يموتون جوعا - أنكر أن يكون عنده شيء؛ خوفا من أن

يكون ذلك الطالب جاسوسا يقصد استكشاف سره، أو يذهب فيقول: إن هذا القمح هو

من عند فلان جزاه الله خيرا، فيصل الخبر إلى الحكومة المحلية ويجزى بالشنق!

وجمال باشا إذا قال فعل، فأصبح أناس يدورون في البراري في طلب القوت ولا

يجدونه، وآخرون عندهم أكداس الحب مخبوءة تحت الأرض، ولا أقصد بذلك أن

هذا هو السبب الأصلي في مجاعة سورية، كلا، بل إن هذا التدبير السيئ المبني

على الاستبداد والغرور بالنفس - كان من جملة أسباب المجاعة، ولكن السبب

الأهم هو الحرب من حيث هي، وقلة الأيدي العاملة وفقد البذار والأبقار والحصر

البحري وأعظم المسئولية في شدة المسغبة وموت الألوف جوعا بسببها - تعود على

الحلفاء الذي رفضوا إغاثة سورية من جهة البحر، وإيصال إعانات أميركا

وأسبانيا والبابا، وأحبوا أن يلصقوا ذنب التجويع بالحكومة العثمانية ظلما وزورا،

كما سيأتي في كلامنا على المجاعة.

على أننا لما كنا نذكر كلا بفعله نقول: إن هذا التدبير الذي قرره جمال باشا

لتلافي تخبئة الغلال كان تدبيرا قاتلا، وأتى بعكس المقصود، ومن جملة نتائجه أن

أهل حوران ثاروا على الحكومة؛ وذلك أنه فرض على لواء حوران 80 مليون

كيلو وجعلها تحت التزام ميشيل إبراهيم سرسق مبعوث بيروت ووضع تحت طلب

ميشيل القوة العسكرية فجمع هذا 20 مليون كيلو ووقف حمار الشيخ في العقبة

فأخذوا حينئذ بالعسف والتضييق، وأحرجوا الأهالي فثاروا وضربوا الجندرمة،

فساقوا عليهم العسكر فتضاربوا والعسكر وقطعوا أسلاك البرق وخربوا سكة الحديد

واستفحل الأمر وكان جمال في حلب، فخاف أن تمتد الفتنة، ويشترك فيها العربان

والدروز فأبرق إلي - وكنت في لبنان - أن أذهب إلى حوران وأن أشترك مع

حافظ جمال باشا في تسكين الثورة فلم أستطع إلا الذهاب وإن لم أذهب لم يبعد عليه

أن يجعلني مسئولا عما وقع. ولما وصلت إلى درعا (أذرعات) استدعيت مشايخ

الدروز، فحضروا في ألف وخمسمائة فارس، وأكدوا طاعتهم للدولة، وأبرقت إلى

جمال بالخبر فورد إلي جوابه بالشكر والسرور، ثم راسلت مسلمي حوران،

فحضر مشايخهم، وقالوا لي: نحن كنا أخبرنا الحكومة أنه لا يقدر على تسكين هذه

الثورة إلا الأمير شكيب، فالحمد لله على قدومك وإن أكثر الثائرين متجمعون في

قرية نوى، فبعثت إلى جمال برقية أعرض فيها عليه رأي العفو عن الثائرين

وإعادة الأمن إلى نصابه وأنني أتعهد في مقابلة ذلك بإدخالهم جميعا في الطاعة،

فأجابني ببرقية صريحة بأن من أطاع إلى نهاية أربعة أيام وحضر إلى مركز

الحكومة - فهو معفو عنه، فأسرعت بكتابة خطاب إلى الثائرين المحتشدين في

نوى أدعوهم فيه إلى الطاعة وأعظهم، وأبين لهم عواقب العصيان، فأجابوني إلى

ما أردت، وطلبوا أن نتلاقى أولا في قرية الرمثاء.

وبينما نريد تعيين يوم للاجتماع هناك إذ ورد إلي خبر بكون حافظ جمال باشا

القائد العسكري في حوران - المأمور بقمع الثورة - قد ساق عدة توابير على نوى،

فكبسوها بياتا وضربوها بالمدافع، وقتلوا نحو ثمانين نفسا، فلم أصدق هذا الخبر،

ولم يهضم عقلي أن جمال باشا يأذن لي بتأمين الثائرين على نيل العفو ويضرب

لي لذلك موعدا أربعة أيام وقبل انقضاء الموعد يسوق عليهم العساكر ويضربهم وإذا

بالوالي تحسين بك وبحافظ جمال باشا (وكانوا يقولون له جمال باشا الثالث؛ لأنه

كان في سورية أحمد جمال باشا القائد العام وجمال باشا المرسيني الذي صار بعد

الحرب العامة ناظرا للحربية في الآستانة ونفاه الإنكليز إلى مالطة وجمال باشا هذا)

قد حضرا إلى أذرعات، وعلمنا أن واقعة نوى هذه قد حصلت، فكان بيني

وبينهما في دار الحكومة في أذرعات خصام عظيم، ارتفعت فيه الأصوات، وبلغت

الحدة أقصاها على مسمع الجمهور، وإنما ظهر أن جمال باشا الثالث هذا في يده

أمر برقي بالضرب خلافا للأمر الذي بيدي بالتأمين. فعند ذلك أبرقت إلى جمال

باشا القائد العام أبين له مزيد استغرابي من هذه الواقعة التي وقعت ضمن المدة التي

أعطاني إياها لتأمين الثائرين ومقدار الفظاعة في قتل نحو 80 شخصا، منهم بعض

نساء وهدم بيوت في بلدة الإمام النووي رضي الله عنه.

وتلغرافي هذا مسجل - ولا شك - في بيت التلغراف بأذرعات. فغضب

جمال من هذا الخطاب، وزاده غضبا أن الشيخ أسعد شقير -الذي كان أرسله مراقبا

له على حركات الجميع في حوران - حضر الخصومة بيني وبين الوالي وجمال

باشا الثالث (كان ممن اجتهد في كف النزاع) ولكنه ثاني يوم برح حوران إلى عكا

ويقال إنه أبرق إلى جمال بما حصل بيني وبين ممثلي الحكومة الملكية والعسكرية،

وأنني أغلظت لهم القول، وقلت إنني لا بد أن أفتح هذه المسائل في المجلس

بالآستانة، وأشرح كل ما جرى إلخ، فأبرق جمال إلي بالحضور إلى صوفر،

وكان قدم إليها من حلب، وهناك أرغى وأزبد وأشرف علي من سماء عظموته،

فلم أجاوبه لا نفيا ولا إقرارا، وقمت منصرفا، فكأنه وجد في سكوتي دليلا على

إضمار السوء، فقام، وتبعني، وحاول استرضائي، وعدل عن المخاشنة إلى

الملاينة، وبقيت ساكتا، وصممت أن أذهب إلى الآستانة، وأن لا أعود إلى سورية

ما دام جمال فيها ... [2] .

(للمقال بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: المراد بالتهجير: الحمل والإكراه على الهجرة أي الخروج من الوطن إلى غيره، وهو استعمال جديد لم تنطق به العرب ولا المولدون؛ لأن الإكراه على الخروج من الوطن يسمى في اللغة إجلاء وجلاء، يقال: أجلاهم وجلاهم، ويقال: جلوا أيضا، وأما التهجير - في اللغة - فهو الخروج في وقت الهجير، أي: الحر والترك يتصرفون في أبنية الأفعال العربية بحسب حاجتهم، فيخطئون السماع والقياس تارة، ويصيبون تارة.

(2) حذف من هذا الموضع ذكر الوسائل التي توسل بها الكاتب إلى الذهاب إلى الآستانة، مع منع جمال للسفر بدون إذنه.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٢٠٢