تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهل الصفة وأباطيل بعض المتصوفة فيهم وفي الأولياء

وأصنافهم والدعاوى فيهم

لشيخ الإسلام أحمد تقي الدين ابن تيمية قدس سره

تابع لما قبله

(فصل) وأما الحديث المروي: (ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي

لله) [1] فمن الأكاذيب، ليس في دواوين الإسلام، وكيف والجماعة قد تكون كفارا

وفساقا يموتون على ذلك.

(فصل) وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله ذلك في

كتابه، وهم قسمان: المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون، فولي الله

ضد عدو الله، قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون *

الذين آمنوا وكانوا يتقون} (يونس: 62-63) وقال الله تعالى: {إنما وليكم الله

ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن

يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة: 55-56)

وقال: ﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ (الممتحنة: 1) وقال: {ويوم

يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون} (فصلت: 19) وقال: {أفتتخذونه

وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو} (الكهف: 50) .

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد

بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي

المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء

ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت

سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي

بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى) .

والولي: من الولي [2] وهو القرب، كما أن العدو من العدو وهو البعد، فولي

الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته، وتقرب إليه بما أمر به من

طاعاته، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصنفين: المقتصدون [3]

أصحاب اليمين، وهم المتقربون إلى الله تعالى بالواجبات، والسابقون المقربون

وهم المتقربون بالنوافل بعد الواجبات. وذكرهم الله في سورة فاطر والواقعة

والإنسان والمطففين وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه يمزج

لأصحاب اليمين. والولي المطلق هو من مات على ذلك، فأما إن قام به الإيمان

والتقوى وكان في علم الله تعالى أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه

وليا لله أو يقال لم يكن وليا لله قط لعلم الله بعاقبة هدايته؟ قولان للعلماء.

وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة

ما يحبط من الأعمال بعد كماله؟ أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب

الشمس في صيامه، ومن أحدث قبل السلام في صلاته أيضا؟ فيه قولان للفقهاء

المتكلمين والصوفية، والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام

أحمد وغيرهم.

وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم. ولكن أكثر

أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة، وكثير من أصحاب مالك والشافعي

شرط سلامة العاقبة، وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن

متكلمي الشيعة ويبنون على هذا النزاع هل ولي الله يصير عدو الله؟ وبالعكس،

ومن أحبه الله ورضي عنه هل أبغضه الله وسخط عليه في وقت ما؟ وبالعكس،

ومن أبغضه الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما؟ على القولين.

والتحقيق - وهو الجمع بين القولين - فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من

محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير، فمن علم الله منه أنه

يوافي حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلقت به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلا

وأبدا.

وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٣٨