إلى داره ويقدم لهم الخمور فيها، ولكن تيقظ بعضهم لتدارك الخطر كما بيناه في
النبذة الثالثة التي قبل هذا من الرحلة، فليحفظ الناس هذا، ولينتظروا عاقبة هذا
التغيير، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ونسأل الله تعالى أن
يتوب عليهم ويجعلهم خيرا مما كان عليه سلفهم ويغير ما بهم إلى خير منه.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
جمادى الأولى - 1339ه
فبراير - 1921م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
حقيقة التصوف ومكانه من الشرع
(س3) من صاحب الإمضاء
السلام عليكم ورحمة الله
إلى فضيلة مولانا وراشدنا السيد رشيد رضا
وقع نظري على بعض الأعمال الدينية في بلدي المسمى بالسنبلاوين مما من
أجله أرجو أن تعرفونا حقيقة التصوف، وهل له قوانين وقواميس غير ما بينته
الشريعة المحمدية؟ وإذا كان هو ما جاءت به الحنيفة، فما الحاجة إليه والقرآن
والسنة بين يديه؟ وإن كان مخالفا فمن أقر المبتدئ فيه عليه، ومن أين استنبط ذلك
المخترع تلك الطرق التي توصل إلى الله كما يعبرون؟ ولعمري إن صح هذا كان لله
طريقان: طريق بينه على لسان رسوله الكريم في كتابه المبين، وآخر قد هدى إليه
بعض عباده المهتدين.
وإنما دعاني إلى سؤالكم، والاستنارة بمناركم، ما أخشاه من كسوف شمس
شريعتنا في ذلك الأفق (أفق الصوفية) فإني أرى من ينسبون إليه ويدعونه قد
ولعوا بمقتضياته وشغفوا به حتى أنستهم الأذكار والأوراد التي يتغنون بها في
الساحات والأنحاء ومبالغاتهم في الشيوخ والأولياء - أنساهم ذلك أساس الدين وكبد
الشريعة (التوحيد) وهذا طبق ما أراه غريزة في بعض النفوس من الشغف
بالكماليات، وربما سحبت ذيول النسيان على الواجبات غشا منها لأصحابها، وأنهم
قاموا بما فرض عليهم، وارتقوا إلى أن وجب عليهم ما ندب إليه الدين، وزجا منها
بهم إلى زمرة المقربين الذين امتثلوا وأمضوا أوامر الدين.
وإن سبق لكم هذا، فأرجو من فضيلتكم إعادته باختصار، وذلك كما تعلمون
لقرب عهدنا بالمنار، لا زلتم مصدر الرشد وأهل الفضل والوقار.
... ... ... ... ... ... ... ... حسين محمد حسين النجار
... بمدرسة القضاء الشرعي
(المنار)
التصوف مصدر تصوف الرجل - أي صار صوفيا أي: أحد أفراد الطائفة
المعروفة بالصوفية، وأشهر الأقوال في المنسوب إليه أنه الصوف؛ لأنهم كانوا
يلتزمون لبسه وقيل: إنه كلمة سوفا أو سوفي باليونانية، ومعناها الحكمة، وذهب
الحافظ ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) أنه نسبة إلى صوفة وهو لقب
الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر؛ لأنه قد اشتهر عند العرب أنه
أول من انقطع إلى الله تعالى لعبادته عند بيته الحرام، وتسلسل ذلك في ولده،
فصار لقب (صوفة) يطلق على كل منهم، وناطت العرب به وبهم من بعده إجازة
الناس بالحج من عرفة ومنى، وهي الإفاضة منهما، فكانت لا تفيض منهما حتى
يفيض صوفة، فإذا حانت الإجازة تقول: (أجيزي صوفة) ، وكان سبب هذه
التسمية أن أم الغوث كان لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة
ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له ثم لولده من بعده صوفة. نقله عن السائب
الكلبي.
قال الحافظ المذكور: كانت النسبة في زمن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إلى الإسلام والإيمان فيقال: مسلم ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم
نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة واتخذوا في
ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقا تخلقوا بها، ثم ذكر نسبتهم التي لخصناها عنه
آنفا. ثم قال في تاريخه ومبدئه: هذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين، ولما أظهره
أوائلهم تكلموا فيه وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة، وحاصله أن التصوف عندهم
رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق