(8) يرد على الكاتب ما نقله هو عن عمر من تمنيه لو كان شجرة تعضد، وروي نحو هذا عن الصديق الأكبر.
(9) يرد على هذا أن ابن القيم قال بالتفويض والوقوف عند قوله تعالى (إن ربك حكيم عليم) وجعله نهاية الأقدام في السير في هذا المقام، وهو ذو العلم الواسع بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.</span></span>
ذو الحجة - 1339ه
سبتمبر - 1921م
الكاتب: محمد الخضر بن الحسين
-----------------
<span class="footnote">
القياس في اللغة العربية
للأستاذ العلامة محمد الخضر
(1)
الحمد لله الذي جعل العربية أشرف لسان، وأنزل كتابه المحكم في أساليبها
الحسان، والصلاة والسلام على من بهر البلغاء بلهجته البارعة، وعلى آله وصحبه
العاملين على منوال حكمته الرائعة، أما بعد، فقد كنت أيام دراستي لعلم العربية
أمر على أحكام تختلف فيها آراء علمائه فيقصرها أحدهم على السماع ويأذن الآخر
في القياس عليها، دون أن يذكروا الأساس الذي قام عليه الخلاف، فأرى التمسك
بمثل هذه الأقوال من التقليد الذي لا ترتاح إليه النفس، ولا سيما حين أذكر أن
كثيرا من أصحاب هذه الأقوال قد تلقوا العربية من كتب يمكننا الاستقاء منها،
فأخذت ألفت نظري إلى الأصول العالية التي يراعونها في أحكام السماع والقياس
حتى ظفرت بقواعد وقفت على تفاريق منها في صريح كلامهم وانتزعت شذورا
أخرى من موارد أحكام جزئية تقصيت آثارها في أبواب شتى.
ولما شرعت في مدينة دمشق بمطالعة بعض الكتب العربية (كمغني اللبيب)
بمحضر طائفة من أذكياء الطلبة، كنت أذهب في تقرير مسائل السماع والقياس على
تلك الأصول التي لم تدخل بعد في سلك التأليف، وعند هذا اقترح علي أولو الجد
منهم جمعها وتحريرها ليكونوا على بينة منها خلال المطالعة، فطاوعتهم على ما
اقترحوا حتى تكاملت في مقالات تشرح حقيقة القياس وتفصل شروطه وتحرر
مواقعه وأحكامه.
***
تمهيد
لا يكون الكلام عربيا فصيحا إلا إذا صحت مفرداته واستقام تأليفها، أما
صحة مفرداته ففي النطق بحروفه على مقتضى الوضع من غير أن تغير بنقص أو
زيادة أو إبدال أو قلب في هيئة ترتيبها أو حال حركتها وسكونها، وأما استقامة
تأليفها فبانطباقها على أسلوب نسجت عليه العرب في مخاطباتها، ولا تتحقق هذه
المطابقة إلا برعاية أحكام التقديم والتأخير والاتصال والانفصال والحذف والذكر.
وهل نتوقف في إطلاق الكلم وتأليفها على معرفة وضعها الخاص ونظمها
الوارد بحيث لا نستعملها حتى يثبت لدينا من طريق الرواية كيف نطق بها العرب،
أو أبقى واضع اللغة طريق القياس مفتوحا فيسوغ لنا أن نلحق الكلم بأشباهها في
هيئة مبانيها أو نسق تركيبها ونسوي بينها في الأحكام إذا أعوزنا السماع.
هذا موضع تشعبت فيه أنظار الباحثين في العربية، فبعد اتفاقهم على العمل
بالقياس وتضافر عباراتهم على أنه من مآخذ اللغة غلا بعضهم في التعلق به واتسع
في مجاله إلى ما يخرج بالكلام عن صبغته العربية، وضيق آخرون الغاية إلى حد
يقرب من موقف الجامد على الرواية في أوضاع الكلم وتصرفاتها.
وقد انتبذ المحققون بين هذين الطرفين مسلكا يبقي على اللغة شعارها ويبسط
في نطاقها بمقدار ما يتسوغه ذوق آكل الشيح والقيصوم.
ولا تجد عالما مفردا أو أهل بلد اطردوا في هذه الجادة ولم يحيدوا عنها في
قضية فكانت جميع أقوالهم في محل الاعتدال، بل ترى القول الحق والقياس الوسط
يدور بين مذاهبهم فيصيبه هذا تارة ويحرزه مخالفه تارة أخرى، وذلك شأن العلوم
التي يستند في تقرير قوانينها إلى اجتهادات العقول.
***
الحاجة إلى القياس
وضعت اللغات ليعبر بها الإنسان عما يبدو له من المآرب ويتردد في ضميره
من المعاني، ومن البين جليا أن المعاني تبلغ في الكثرة إلى أن تضيق عنها دائرة
الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين، فلم يكن من حكمة الواضع سوى أن وضع