تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعثها إلى المرحوم طلعت بك وزير الداخلية إذ ذاك، والتي ناولها أحمد رضا بك

الشهير، ثم الدكتور عدنان بك مندوب حكومة أنقرة في الآستانة الآن عند قدومهما

إلى الهند، نعم إن مسلمي الهند ما كانوا يحبون أن يفترق الترك والعرب خوفا من

انحلال الدولة الإسلامية وسقوط العرب في يد المستعمرين من الأجانب وقد وقع ما

كانوا يخشونه فثار الشريف و

…

فإلى الله المشتكى!) .

ولما ابتدأت الحرب الكبرى أصبحت الهند في حالة تشبه حالة الأحكام العرفية

وأخذت الحكومة تسجن وتعتقل كل من ارتابت فيه، غير أن صاحبنا ظل على حريته

وثباته يقول ما كان يقوله ويقبح الظلم والاستبداد كعادته لم يخفه عفريت الحرب ولم

ترعبه السلطة العسكرية، ثم لما بدأ الخلاف بين الدولة العليا والخلفاء وحجزت

بريطانيا البارجتين العثمانية (رشادية وعثمان أول) وخشي نشوب الحرب بينهما

قام في ذلك الوقت العصيب أيضا بكل جرأة وشجاعة يظهر أفكاره وآراءه في

مقالاته وخطبه، وقد نبه رجال الحكومة شفهيا أن الحرب مع الدولة العثمانية (يؤلب

المسلمين على بريطانيا) ويقع مسلمو الهند في موقف حرج فلا يكون أمامهم إلا أن

يكونوا مع الإسلام أو مع بريطانيا فيجب عليها أن تسلم بمطالب تركيا ولا تذرها

تنضم إلى ألمانيا فإذا فعلت ذلك يبذل مسلمو الهند جهدهم في منع الدولة من أن

تكون مع ألمانيا، فإما أن تبقى على الحياد وإما أن تكون بجانب الحلفاء، غير أن

الحكومة لم تصغ إلى نصحه ونشبت الحرب بين الدولة والاتحاديين فنشرت

الحكومة البريطانية في أول أكتوبر سنة 1914 إعلانا في الهند قالت فيه: إن

الدولة البريطانية وحلفاءها قد اضطروا إلى دفع الهجوم العثماني، ولكن ليثق

مسلمو الهند أننا لا نهاجم تركيا ولا نقوم بعمل عدائي ضد البلاد الإسلامية المقدسة.

وقد نشر حفظه الله مقالة شهيرة بعنوان (القارعة) فصل فيها ما كان يراه

مسلمو الهند أحسن تفصيل ثم تحادث مع اللورد كار ماركل والي بنغالة الأسبق في

نفس هذا الموضوع، وكانت خلاصة حديثه معه وما كتبه في مقالته كما يلي:

(1) أن من المصائب علينا أن تقع الحرب بين الدولتين البريطانية

والعثمانية التي يعدها جميع مسلمي العالم صاحبة الخلافة الإسلامية وآخر دولهم،

وأن مسلمي الهند يجب عليهم شرعا أن يكونوا مع الخلافة ويطيعوا أوامرها ويبذلوا

وسعهم لنصرها وحمايتها، فيجب على الحكومة أن تعلم هذه الحقيقة ولا تنخدع

بأقوال المنافقين الذين يخدعونها ويتملقون لها.

(2) أن أكثر ما يستطيع مسلمو الهند أن يفعلوه لبريطانيا هو أن يبقوا على

الحياد ولا يتخذوا خطة عدائية لها، ولكن هذا إنما يكون إذا:

(أ) تركتهم بريطانيا على هذه الحالة فلم تطالبهم بمساعدة مادية ولا معنوية.

(ب) لا يكره جندي مسلم على أن يذهب إلى ميادين القتال.

(ج) لا يهاجم الحلفاء البلاد الإسلامية بل يعلنون إعلانا مؤكدا بأن الحرب

لا تغير الحدود الحالية للدولة الإسلامية ويضمنون استقلال الدولة العثمانية.

(3) وإن لم تقبل الحكومة البريطانية هذا فمسلمو الهند يضطرون إلى

فرضهم الديني فيفعلون كل ما في وسعهم لحفظ الخلافة والبلاد الإسلامية؛ لأن

هجوم الأجانب عليها يوجد حالة النفير العام فيجب على جميع مسلمي العالم شرقا

وغربا أن يهبوا للدفاع عنها.

فلما رأت الحكومة أن حضرته متصلب في أفكاره ومصر على أعماله وأنها لا

تستطيع استمالته إليها بالترغيبات ولا تخويفه بالتهديدات كما فعلت بالآخرين أقفلت

أولا جريدته ثم نفته من مقاطعة كلكتا مستقره ثم بعد ستة أشهر سجنته في معتقله

ولم تخل سبيله إلا بعد الهدنة في يناير سنة 1920.

ولكنه بمجرد خروجه من معتقله انهمك في إنهاض هذه الحركة الجديدة للخلافة

والدعوة إليها ولم يسترح يوما واحدا - وها نحن أولاء نراه بعد سنتين قد سلم نفسه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٦٣