تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محيي الدين آزاد

-----------------

<span class="footnote">

الخلافة الإسلامية

ألفه باللغة الأوردية أحد زعماء النهضة الهندية

مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة (الهلال) الهندية

وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد

الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة (بيغام) الهندية

(5)

فصل

الجماعة والتزام الجماعة

وفي هذا الحديث - الذي نحن بصدده - أمر مهم يستحق أن نتأمل فيه،

وهو أن الشريعة نصت على أن الحياة الإسلامية إنما هي في التزام الجماعة وطاعة

الخليفة، والحياة الجاهلية في الانحراف عنها، ولقد أوضح القرآن أن الجاهلية هي

التفرق والتشتت، وانتشار الكلمة، وعدم الاجتماع على مركز واحد، وأن الحياة

الإسلامية هي الحياة الاجتماعية، والاتحاد، والائتلاف بين الأمة، واجتماع الآحاد

المنتشرة؛ قال الله تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين

قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} (آل

عمران: 103) إلخ.

فالجاهلية الفرقة، والإسلام الجماعة؛ ولذا أكد النبي - عليه الصلاة والسلام-

مرة بعد مرة أن من يحيد عن الجماعة، وينزع يده عن طاعة الخليفة، يكاد

يخرج من الإسلام، وتكون ميتته على الجاهلية لا على الإسلام، وإن صلى وصام،

وزعم أنه مسلم.

وها هي ذي بعض الأحاديث الصحيحة المشهورة في هذا الباب:

قال صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري

فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) رواه البخاري، ومسلم عن أبي

هريرة، وفي رواية أخرى لمسلم: (من أطاع الأمير) أي أطاع إمام المسلمين،

وقال: (اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة)

(البخاري ومسلم عن أنس) .

يظهر أن هذه الجملة كثيرا ما كان يكررها صلى الله عليه وسلم، ولا سيما

في خطبه؛ ولذا تجدها مروية بألفاظ مختلفة، ونسبت إلى مواقع مختلفة، وقد قال

يوم الحج الأكبر - في حجة الوداع التي كانت مشهدا عظيما للمسلمين، والتي لم

يعش صلى الله عليه وسلم بعدها إلا بضعة أشهر -: (ولو استعمل عليكم عبد

يقودكم بكتاب الله، اسمعوا وأطيعوا) (مسلم) .

وقال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية)

وفي لفظ: (فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات

ميتة جاهلية) (متفق عليه) ، ومعلوم أن الجاهلية كانت قبل الإسلام، فمعنى

الحديث: أنه مات على ضلالة عرب الجاهلية - والعياذ بالله! - وفي رواية عبد

الله بن عمر (رضي الله عنه) : (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا

حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) .

وقال: (من فارق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه)

(الترمذي) ، وفي رواية: (دخل النار) (أخرجها الحاكم على شرط الصحيحين) .

وقال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي،

وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ ، قال: فوا

ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله يسألهم عما استرعاهم) (متفق عليه) .

وغير هذا كثير من الأحاديث التي لا تحصى، وشواهد الإجماع ونصوص

كتب العقائد والفقه لسنا في حاجة إليها بعد الحديث.

***

فصل

في شروط الإمام والخلافة

إذا استقصيت نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة - تعلم أن الشريعة

الإسلامية اعتبرت الإمامة والخلافة على شكلين متضادين، واحد منهما أصلي

ومطلوب، والثاني اضطراري.

وبيان هذا أن الشكل الأصلي المطلوب هو انتخاب الأمة خليفتها بحيث

تجتمع آحادها، وأهل الحل والعقد والرأي والبصيرة منها، فيتباحثون ويتشاورون

طبقا للآية: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38) ، ثم ينتخبون الخليفة

مراعين فيه شروط الخلافة الشرعية، ومقاصدها الأساسية، غير ناظرين إلى

الوجاهة الذاتية والجنسية النسبية [1] ؛ إذ الشريعة تعتبر في الانتخاب شورى الأمة،

لا جنسية الخليفة وعشيرته ونسبه، وقد تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس

الجمهوري، فالخليفة الأول انتخبته الأمة مباشرة، والخليفة الثاني انتخبه الخليفة

الأول [2] ، ورضي به أهل الحل والعقد من الأمة، والخليفة الثالث انتخبته جماعة

الشورى، والرابع بايعته الجماعة بأسرها، فانتخاب هؤلاء الخلفاء الأربعة كان

انتخابا شرعيا وجمهوريا، ولم تراع فيه الجنسية، والقبيلة، والعهد البتة، ولو

روعي فيه شيء من هذا القبيل لبقيت الخلافة في بيت الخليفة الأول، ولم تخرج

منه إلى آخر الدهر، ولكن لم يكن شيء من ذلك، بل لم يدع الخليفة الثاني مجالا

للأمة في أن تنتخب ابنه خليفة؛ لأنه منع، وأوصى بذلك وصية حين احتضاره -

رضي الله عنه وعنهم أجمعين -.

فإذا كان الأمر على هذا النهج الجمهوري، واستطاعت الأمة انتخاب خليفتها-

فقد شرطت الشريعة فيه شروطا تراعى عند الانتخاب:

وأما الشكل الثاني: وهو إذا تغلب متغلب بقوته وعصبيته على الخلافة، ولم

يترك مجالا للانتخاب؛ فحينئذ ماذا يجب على الأمة إذا كان المتغلب غير أهل لها

وظالما، وفاقدا لشروطها؟ ، فهل يجب عليها أن تخرج عليه وتقاتله؟ ، أم يجب

عليها أن تطيعه، وتنقاد له، وتؤدي إليه الزكاة، وتقيم وراءه الجمعة والجماعة،

وتعمل تحت سيطرته سائر الأعمال التي لا تتم إلا بوجود الخليفة والإمام؟

لما كانت هذه المسألة أهم المسائل الحيوية، وأساس حياة الأمة الاجتماعية -

لم تكن الشريعة لتغفل عنها، وتترك الأمة بلا هداية، ولا بصيرة فيها؛ ولذا تجدها

قد اهتمت بها أشد الاهتمام، وبينتها بيانا وافيا بعبارات واضحة ونصوص صريحة؛

ومن أجل ذا لم يتردد الصحابة - رضوان الله عليهم - في تعيين خطتهم لما قامت

الخلافة الأموية الاستبدادية بعد انقراض الخلافة الراشدة، فعاملوها معاملة واحدة،

كأنهم كانوا عينوها من قبل، وصارت تلك المعاملة سنة لمن بعدهم، وأجمعت

الأمة على استحسانها، واتخذتها خطة اجتماعية لها، نعم، قد اختلف بعض الفرق

الإسلامية في الشكل الأول للخلافة، ولكن لم يختلف أحد منهم في الشكل الثاني لا

قولا ولا عملا [3] .

وقد شرطت الشريعة في الشكل الأول الجمهوري شروطا بالغة في الكمال

منتهاه، وأوجبت على الأمة أن تنظر في الخليفة كل الأمور التي تلزم لهذا المنصب

الرفيع، ولهذه المسئولية العظيمة، وقد اشتهرت شروط الخلافة هذه اشتهارا عظيما،

حتى إنك تجدها في عامة كتب العقائد والفقه التي يتداولها طلبة العلم في المدارس

الدينية، فترى فيها: (ويشترط أن يكون) الخليفة (من أهل الولاية المطلقة

الكاملة، بأن يكون مسلما، حرا، ذكرا، عاقلا، بالغا، سائسا بقوة رأيه، ورويته،

ومعونة بأسه وشوكته، قادرا بعلمه وعدالته وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام،

وحفظ حدود الإسلام، وإنصاف المظلوم من الظالم، عند حدوث المظالم ... ) إلخ،

راجع شرح المواقف، والنسفي، والتمهيد، وشرح الفقه الأكبر للقارئ، وشرح

المقاصد، ومن كتب المحدثين شرح عقيدة ابن عقيل، وفتح الباري، وشرح

منظومة الآداب، وخلاصة ابن مفلح، ونيل الأوطار ووبل المرام للشوكاني،

والإقناع وشرحه وغيرها من الكتب.

وأما شرط القرشية ففيه اختلاف [4] ، وقد كان يقول به أكثر العلماء والفقهاء

إلى زمن الدولة العباسية، وبعدها بيسير (سنة 640 ه سنة 1243م) لقوله

صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الأمر في قريش) ولذا ذهبت الإمامية إلى أن

الخليفة يجب أن يكون من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقول على

هذه القاعدة إن الخلافة لعلي - عليه السلام -، ثم لأئمة العترة - رضوان الله

عليهم أجمعين - وذهبت الزيدية إلى أن الخلافة في بني فاطمة كلهم، ولا خصوصية

فيها لأئمة أهل البيت، فالإمامية تشترط في الخليفة - مع سائر الشروط المذكورة

آنفا - أن يكون من أهل البيت النبوي، والزيدية توسع فيها وتقول كل بني

فاطمة أهل للخلافة، وهم يستحقونها دون غيرهم.

ولا تنسين أن هذا الاختلاف في الشكل الأول، أما في الشكل الثاني - أي

إذا لم تقدر الأمة على انتخاب الخليفة لتغلب المتغلبين - فلا خلاف فيه بين

المسلمين لكثرة الأحاديث الصحيحة، وإجماع الصحابة، وأئمة أهل البيت في هذا

الباب؛ ولذا ترى الأمة قد اتفقت كلمتها على أنه إذا استولى مسلم بقوته وشوكته

وعصبيته على الخلافة - وتمكن فيها، وقامت حكومته، وقوي أمره - وجب على

الأمة أن تطيعه، وتسمع له، وتخضع لخلافته مثل ما لو كان أصابها بحق، ولا

يجوز لأحد الخروج عليه، والقيام على وجهه، ومن يفعل ذلك يقاتله المسلمون،

ويعينون الخليفة عليه، مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وأهلية؛ لأنه مفارق

للجماعة، وخارج على السلطان [5] .

هذا هو حكم الشريعة في هذه الصورة، وحكمته واضحة جلية، وهي أن

قيام الشريعة وبقاء الأمة يتوقف على الحكومة القوية؛ إذ هي أساس للحياة

الاجتماعية، وقد جعلت لها الشريعة نظاما في غاية من الكمال والجودة، فخولت

للأمة حق انتخاب الأمير، وجعلت الشورى أساسا للانتخاب، وشرطت شروطا في

الأمير، ولم تعتمد في الإمارة على امتيازات الجنس والعصبية والملوكية، بل

جعلتها حرة وجمهورية محضة لا يشوبها الاستبداد والضغط أبدا، ثم حذرت الناس

من أن يتصدوا لها، ويرشحوا أنفسهم لأجلها، وينافسوا فيها، ويتطلعوا إليها،

فيقاتلوا، ويحاربوا عليها، ويسفكوا الدماء في سبيلها، وقد كان رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - يبايع الناس على هذا، فيقول: (لا ينازع الأمر أهله) [6] هذه

كلمة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في ذاتها، وكافية لإبطال الحروب والمنازعات

بأسرها، وقد بوب البخاري في صحيحه عليها بابا فقال: (باب ما يكره من

الحرص على الإمارة) ، وروى فيه حديث أبي موسى الأشعري قال: قال النبي -

صلى الله عليه وسلم -: (إنا لا نولي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه) ،

وكان الغرض من هذا التحذير والمنع؛ لأن الناس إذا لم يحرصوا عليها سهل

للأمة انتخاب الأصلح والأهل لها.

هذا هو النظام الحقيقي الذي جعلته الشريعة للخلافة الإسلامية، ولو بقي

معمولا به لصلحت الدنيا كلها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه لا

يدوم أكثر من ثلاثين سنة، فبين للأمة ما يجب عليها عندما ينهدم ذلك، ويحل

محله الاستبداد والقهر.

لنفحص المسألة فحصا جيدا؛ لنرى أية خطة أحسن عند تغلب المتغلبين على

الخلافة؛ فإن هنا خطتين:

(إحداهما) أن يقبل الاستبداد، ويخضع له صيانة للجماعة، وحفظا لنفوس

الأمة، وذودا عن البلاد الإسلامية من الأعداء، وصونا لأوامر الشريعة من

التعطيل وغيرها كثير من المصالح العامة، ولا تنس أن هذه الحكومة، وإن كانت

مستبدة قاهرة إلا أنها إسلامية تغار على الدين، وترفع شأن الأمة في نظر الأعداء،

نعم تنتقل الحكومة الإسلامية في هذه الصورة إلى مستبد تغلب عليها، ولم يبال

بالنظام الشرعي لها، ولا ريب في أنه تنشأ عن هذا مفاسد كثيرة [7] .

وأما الخطة الثانية: فهي أن يقاتل المتغلب، ويخرج عليه، وترد الخلافة

على من هو أصلح لها منه، ولكن إذا فعل ذلك جرت الدماء أنهارا في حروب

تشيب من هولها الولدان، واختلت المصالح العامة، وتزلزلت الهيئة الاجتماعية،

وبطل الأمن، وعمت الفوضى، وتعطلت أوامر الشريعة، وهدمت الجوامع،

ونهبت البيوت، وخربت البلاد، وانصبت على رأس الأمة المصائب، وأصابها

كل ما يصيب الأمم في مثل هذه الحروب التي تثيرها الأهواء والشهوات، ومع هذا

لا يعرف متى يستتب الأمن وتعود الراحة؟ إذ كل صاحب عصبية وذي مطامع

كبيرة ينهض قائلا: أنا أحق بالخلافة من صاحبها، فعلى الناس أن يبايعوني،

ويقاتلوا في صفي، وينصروني على عدوي) ! [8] ، فماذا تكون حال الأمة إذ ذاك؟،

ألا تكون كالريشة في مهب العواصف، تقلبها الرياح كيف ما شاءت؟ أولا

تصبح كسفينة في بحر محيط لا ربان عليها، تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة، فتعلو

تارة، وتسفل أخرى، ويخشى عليها الغرق كل آن؟ ولا ينكر أن مع هذه

المخاوف والأهوال يحتمل أن ترد الخلافة إلى الأصلح لها، فأي صورة أحق أن

ترجحها الشريعة الغراء؟ أتلك التي مصالح الأمة فيها مصونة مضمونة،

والمفاسد محتملة؟ أم هذه التي الخراب والدمار فيها محقق، ورد الحق إلى أهله

محتمل؟

كل من له أدنى حظ من العقل الصحيح لا يتردد في الجواب بأن الصورة

الأولى أحق أن تقبل، وتعول عليها في مثل هذه الحالات، وقد فعلت الشريعة ذلك

جريا على قاعدة (المنافع تجلب، والمضار تدفع) ، وإذا اختلطت المصالح

والمفاسد تختار الشريعة طريقا أقل مضرة، وأكثر مصلحة، وترجح أهون الشرين؛

إذ لو لم تفعل ذلك، وفرضت على الأمة عدم الخضوع لأحد سوى جامع شروط

الخلافة والمنتخب على الطريقة الجمهورية الصحيحة لقام - كما قلنا - كل من اتخذ

إلهه هواه لنيل الخلافة، وقال: هذا الخليفة ليس بأهل، وأنا أحق منه، وأجمع

للشروط، ثم ماذا كان بعد ذلك؟ : القتل والسلب، وإهراق الدماء، وزهق النفوس،

وانهدام الهيئة الاجتماعية، وتزعزع أركان الأمة، فمن كان يحافظ على البلاد،

ويحكم بين العباد، ويعاقب المجرمين، ويحد السراق، وقطاع الطريق، ويأخذ

الزكاة، ويقيم الجمعة والعيدين، ويدافع عن الثغور، ويرابط على الحدود؟ .

وايم الله، لو كان كذلك لتداعت الأمم الأكالة على المسلمين، ولاحتلت

بلادهم، وخضدت شوكتهم، واستعبدتهم، وأذلتهم، وفعلت بهم ما فعلت! ، فقبول

خلافة المتغلب أحسن وأهون، أم هذا الخراب والدمار الذي ليس فوقه خراب ولا

دمار؟ ؛ ولذا أمرت الشريعة بطاعة الخليفة المسلم مهما كان ظالما ومستبدا، وكيفما

كانت سيرته وسريرته ما لم يأمر بمعصية الله، وما أقام الصلاة - والله تعالى أعلم

بما يأمر، وهو بصير بمصالح العباد! [*] .

***

فصل

نصوص السنة وإجماع الأمة

من يلق نظرة سطحية على الأحاديث النبوية ير أن رسول الله - صلى الله

عليه وسلم - كان يخبر بما سيكون في المستقبل من انقلاب الحال، وتغير الناس،

ويبين لكل حالة وكل دور علائم وآيات، ويرسم للأمة خطة تناسب كل وقت

وزمان، وإن هذا لمن أكبر الأدلة على صدقه، وصدق نبوته؛ إذ كل ما أخبر جاء

كفلق الصبح، وإن كان الناس لا يصدقون بذلك، فبأي دليل يثبتون ما جرى في

الزمان الغابر، فكل أحد يستطيع أن ينكر حينئذ وجود الإسكندر المقدوني، والدولة

الرومانية، بل نابليون، وحرب واترلو.

والحاصل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بما يقع بعده؛

ولذا جعل لكل حالة ووقت أمرا وحكما، وأمر الأمة بامتثال أمره، فيجب على

الباحث أن لا يخلط بين الأوامر والأحوال خلطا، بل يضع كلا منها في موضعه،

والذين لم يفعلوا ذلك أخطئوا، وغلطوا في فهم الأحاديث، ولم يستطيعوا التوفيق

والتطبيق بينها.

يرى الناظر أولا الأحاديث التي ذكرت فيها الخلافة الراشدة، ولكونها كانت

معلومة لديه بأنها ستقوم على منهاج النبوة تماما - أوصى الأمة بطاعتها، واتخاذ

أعمالها قدوة وسنة كسنته نفسه - صلى الله عليه وسلم - ففيها روى العرباض بن

سارية حديثه المشهور، قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم،

فوعظنا موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول

الله، وعظتنا موعظة مودع، فاعهد إلينا بعهد، فقال: عليكم بتقوى الله، والسمع

والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، وسترون بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي

وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (ابن ماجه والترمذي) ،

وحديث: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ... ) إلخ، وحديث: (أما طبقتي

وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان ... ) إلخ (رواه البغوي عن أنس) ، وحديث

عبد الله بن مسعود: (ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا وكان له حواريون

وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره) إلخ (مسلم) ، وغيرها كثير.

ففي هذا الدور أمرت الأمة بأمرين: الطاعة والاقتداء بالخلفاء، ثم تأتي بعده

أحاديث الدور الثاني، فيبقى حكم الطاعة على حاله، فتطيع الأمة خلفاء هذا الدور

أيضا مثل طاعتها لخلفاء الدور الأول، ولكن يتغير الحكم الثاني، أي حكم الاقتداء،

فلا يقتدى بهم، ولا تتخذ أعمالهم سنة متبعة؛ لأنه كان معلوما من قبل أنهم لا

ينالون الخلافة على النظام الشرعي، ولا يكون سيرهم طبقا للكتاب والسنة، فيكون

فيهم الصالح، والطالح، والقبيح، والحسن؛ فلذا أمرت بطاعتهم، ونهيت عن

اتباعهم، والاقتداء بهم، بل إذا قاموا لنشر بدعتهم، وترويج فسادهم - وجب على

كل أحد السعي لسد فسادهم، ومنع منكرهم بيده ولسانه، وإن لم يستطع فبقلبه

يبغض أعمالهم، (وذلك أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) ،

فعن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله

عليه وسلم - على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا،

وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله

برهان) (متفق عليه) ، أي يطاع الإمام في كل حال إلا أن يظهر منه كفر صريح.

وقال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون

عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، قال:

قلنا أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلا من ولي عليه وال

فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من

طاعة) ، (رواه أحمد ومسلم) .

وعن حذيفة قال: قال صلى الله عليه وسلم: (يكون بعدي أئمة، لا يهتدون

بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيكم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في

جثمان إنس، قال: قلت: كيف يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع

وتطيع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع) (أحمد ومسلم) .

وقال صلى الله عليه وسلم ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها، قالوا: فما

تأمرنا؟ ، قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم (متفق عليه عن

ابن مسعود، وأخرجه أيضا الحارث بن وهب وأورده الحافظ في التلخيص) .

وعن جابر بن عتيك مرفوعا عند أبي داود بلفظ: (سيأتيكم ركب مبغضون،

فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن

ظلموا فعليهم) .

وعن وائل بن حجر قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل

يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا، ويسألونا حقهم؟ ، قال:

اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم) (مسلم والترمذي

وصححه) .

قال صلى الله عليه وسلم: (على المرء المسلم، السمع والطاعة فيما أحب

وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (أخرجه

الشيخان وغيرهما عن ابن عمر) ؛ إذ لا يعصى الله خالق السموات والأرض في

شيء مهما صغر وقل لمخلوق مهما كبر وعظم وارتفع شأنه، وإن هذا ما قاله

الإسلام، وجميع الأديان، وكل العقلاء والحكماء.

ولذا أمرت الشريعة بأداء الصدقات والزكاة إلى العاملين عليها، مهما كانوا

ظلمة وفسقة وخونة، ولا يجوز منعها عنهم لأجل ذلك، نعم يجوز السعي عند

الإمام في عزلهم، ولكن ما داموا على عملهم لا يجوز منع الزكاة عنهم؛ لئلا يختل

نظام الأمة - كما في رواية بشير بن خصاصة أنه قال: (قلنا: إن قوما من

أصحاب الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: لا)

(قال أبو داود رفعه عبد الرزاق عن معمر) ، وفي رواية سعد بن أبي وقاص،

قال: (ادفعوا إليهم ما صلوا) ، وروى ابن أبي شيبة أنه (قال رجل لابن عمر:

إلى من نؤدي الزكاة؟ قال إلى الأمراء، فقال الرجل: إذا يتخذون بها ثيابا وطيبا،

قال: وإن فعلوا ذلك أد إليهم الزكاة!) ؛ ولذا ترجم أصحاب الحديث (باب براءة

رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور) (كما في المنتقى) ، وبه قال

جمهور الفقهاء وأئمة أهل البيت، كما نقل عن الإمام الباقر - عليه السلام - في

الأصول وإلى هذا ذهب المحققون من الإمامية والزيدية [9] .

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) أي لم يراع فيه الأشرف نسبا من بيوت قريش التي حصر الرسول الخلافة في جملتها، بل يرجحون كفاءته من أي بيت منهم كان، وسيعلله بعد بأنها لو جعلت وراثية في بيت معين لبقيت في بيت الخليفة الأول - كما هو الشأن في بيوت الملوك - إلى عهدنا هذا، وضرب له المثل بالخلفاء الراشدين.

(2) يعني أنه رشحه، والأمة رضيته، فبايعته.

(3) إطلاق النفي خطأ؛ فالخلاف وقع قولا وعملا، ذهب كثيرون إلى مقاومة السلطة الجائرة وغير الشرعية، وكثيرون إلى طاعتها، وسيأتي تحقيقه، ومازالوا يستعدون لإسقاط خلافة الأمويين حتى أسقطوها، وهي في ريق شبابها.

(4) يظهر أن للكاتب - عفا الله عنه - ميلا إلى إضعاف هذا الشرط الذي أجمع عليه أهل الصدر الأول قبل ظهور الشقاق في الأمم، وهم أهل الإجماع دون غيرهم، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة متفق عليها، وقد ذكر حديثا واحدا منها لم يقرنه بذكر من خرجه من رواة الصحيح، وقد صرحت الكتب التي ذكرها كلها بشرط القرشية ولما ذكروا أن الخوارج وبعض المعتزلة خالفوا سائر المسلمين في اشتراط القرشية - ردوا عليهم بأن الإجماع كان قد انعقد على ذلك من عهد الصحابة مستندا إلى النص، فلا عبرة بخلافه قال السعد التفتازاني في شرح المقاصد: (ويشترط أن يكون مكلفا مسلما عدلا حرا ذكرا مجتهدا شجاعا ذا رأي وكفاية سميعا بصيرا ناطقا قرشيا، فإن لم يوجد من قريش من يستجمع الصفات المعتبرة ولي كناني، فإن لم يوجد فرجل من بني إسماعيل فإن لم يوجد فرجل من العجم) إلخ (ص 271، ج2، طبع الآستانة) وقال الحافظ في شرح البخاري - بعد إيراد الأحاديث في حصر الإمامة في قريش المؤيدة لما رواه البخاري منها - ما نصه: (ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر خلافا لمن أنكر ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا) ، ثم ذكر من قيده ببعض قريش، كالشيعة ورأي الخوارج وبعض المعتزلة بعدم اشتراط القرشية، وتعقبه بقوله: (قال أبو بكر بن الطيب: لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث:) الأئمة من قريش) ، وعمل المسلمين به قرنا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف (ص 581، ج29 طبعة الهند) ثم ذكر الحافظ ما رواه أحمد عن عمر من ميله إلى استخلاف أبي عبيدة وهو غير قريشي، أو معاذ بن جبل وهو أنصاري، وجمع بينه وبين نقلهم للإجماع باحتمال أن يكون رجع عن ذلك، أو يكون الإجماع قد انعقد بعده والصواب أن أبا بكر قد احتج على الأنصار - وعمر بظاهره - بحديث حصر الأئمة في قريش؛ فأذعنوا، ولم يعارض فيه أحد منهم ولا من غيرهم؛ فانعقد الإجماع من ذلك اليوم، ويكفي هذا إعلالا لرواية قول عمر إنه كان يحب أن يستخلف أحد الرجلين، وهل يوجد شيء يرد به أثر آحادي أقوى من هذا الإجماع، وهذه النصوص المتفق عليها؟ ! وذكر الحافظ قبل ذلك ما أورد على حديث: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) - على القول بأنه خبر محض من أنه تولى أمر السلمين كثير من غير قريش، وأجاب عنه أولا بأن تولي هؤلاء لم يمنع وجود أئمة من قريش في اليمن، والمغرب وغيرهما، وأن بعض أولئك كان يدعي القرشية كبني عبيد، ثم قال: (وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين، وحكمهم حكم البغاة، فلا عبرة بهم) ، (قال) : وقال القرطبي: هذا الحديث خبر عن المشروعية، أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد منهم أحد، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر، وقد ورد الأمر بذلك في حديث: (قدموا قريشا، ولا تقدموها) أخرجه البيهقي، وذكر له شواهد من الصحاح وغيرها (ص581، ج 29 أيضا) .

(5) حكاية الإجماع باطلة كما أشرنا إليه في حاشية سابقة، وإن الحافظ ابن حجر قال إنهم يعدون المتغلبين على الخلافة من البغاة الخارجين عن السلطة الإسلامية، وسيأتي مزيد بيان لذلك.

(6) بتأمل كلمة (أهله) - وما يراد بها شرعا - هل يمكن أن يكون منها الظالمون المستبدون؟ ! .

(7) أكثر هذه المفاسد على جرثومتها أن الأمر يجري على القوة لا على الشريعة، وأي حاكم تخضع له الأمة خضوعا أعمى، ثم يقف عند حدود الحق والعدل فلا يتعداها على علم ولا عن جهل.

(8) الصواب أن هذا من لوازم الخضوع لكل قوي يتغلب؛ إذ لو كان أصحاب هذه المطامع يعلمون أن الأمة إنما تخضع للحق لا للقوة، وأنها لا تزال تقاتل المستبد الخارج حتى يهلك أو تهلك - لما خرج عليها خارج، ولا تغلب مستبد ظالم، وكلام الأستاذ أبي الكلام هنا متعارض متدافع، وبعض ما فرضه من صور المسالة غير متعين الوقوع بل نادر، ومقاومة الظلم والاستبداد، وتغيير المنكر فرض لازم، ولكن يراعى في تنفيذه ارتكاب أخف الضررين عند التعارض.

(*) الكاتب فرض صورة للتعارض بين الحق والتغلب لا تطرد، بل قلما تقع، وجعلها قاعدة للترجيح، إن مجموع الأحاديث الواردة في الإمامة والإمارة تدل على أمور يعز أن تجدها مجموعة في مكان واحد، فتجمع بها بين ما يتراءى لك فيها من التعارض:

(أ) أن الإمام الأعظم (الخليفة) يجب أن يكون من قريش،

(ب) أن طاعة الإمام واجبة شرعا ما دام مسلما، يقيم الصلاة بالناس، ويقودهم بكتاب الله، وإنما الطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،

(ج) أن طاعة الأمراء والولاة والعمال - الذين يوليهم الإمام قيادة الجيوش والإدارة والقضاة والجباية- يطاعون، وتؤدى إليهم الحقوق بالشرط الذي يطاع فيه الإمام بالأولى، وفي حديث يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين بنت إسحق الأحمسية أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) رواه مسلم وفي أحاديث أخرى: (ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف) ، ومنه حديث علي عند الحاكم مرفوعا بإسناد جيد، ورجح الدارقطني وقفه، قال في آخره: (وإن أمرت قريش فيكم عبدا حبشيا مجدعا فاسمعوا له وأطيعوا) ،

(د) أن ظلم الأئمة والأمراء وفسقهم وأثرتهم لا تبيح لأفراد الأمة عصيانهم فيما يأمرون به من المعروف؛ لأن ذلك يستلزم ما هو شر منه، وهو الفوضى وفساد جميع الأمور العامة، فكل ما ورد في كتب الكلام والفقه وشروح الأحاديث من وجود الطاعة فالمراد به ما ذكرنا لما عللناه به،

(ه) أن ذلك كله لا يدل على وجوب رضى الأمة بالظلم والبغي والأثرة، ولو من قريش، ولا على الخضوع لكل قوي مستبد، ويستحيل أن يكون هذا حكم الدين وهو يهدم الحق والعدل والفضيلة ويفسد على الأمة دينها ودنياها، ولا يمكن ترجيح أحاديث الطاعة المطلقة على الأحاديث المقيدة لها بالمعروف والشرع وعلى سائر النصوص المعلومة من الدين بالضرورة، وإنما يظهر الجمع بينها بأن على الأفراد السمع والطاعة وعلى أهل الحل والعقد من زعماء الأمة التي هي صاحبة السلطان، وهم أهل الشورى والزعامة فيها أن يوقفوا الأئمة والأمراء عند ما أوجب الله من الحق والعدل والتزام الشرع بما دون الخلع لغير الكافر إن أمكن، وأن يستعدوا لذلك بما تترجح به المصلحة على المفسدة، وكذلك فعلت كل الأمم التي استقام أمر حكومتها، ولم توطن أمة نفسها على الخضوع إلا كانت من الهالكين، وإطلاق القول بالخضوع للمستبدين الجائرين لأجل قوتهم خطأ عظيم، وأية حكومة قامت بالقوة، ثم قاومتها الأمة برأي زعمائها ولم تسقط؟ وسيأتي ما يقرب من هذا الجمع من النووي.

(9) قال الحافظ - في شرح حديث البخاري في المبايعة على السمع والطاعة الذي تقدم في الأصل عند قوله فيه من كتاب الفتن: (وأن لا ننازع الأمر أهله) ، أي الملك والإمارة، ثم ذكر زيادات في الحديث من روايات أخرى، منها: (وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لائم) وذكر - في شرح قوله -: (إلا أن تروا كفرا بواحا) روايات أخرى بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر، ثم قال: وفي رواية إسماعيل بن عبد الله عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن أبي عن عبادة: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله) ، وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه: (سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة) وقال - في شرح قوله -: (عندكم من الله فيه برهان) ، أي من نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل، قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا، تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم اه، وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرا، والله أعلم ونقل ابن التين عن الداودي، قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إذا قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر، فيجب الخروج عليه اه (ص524، ج 29 طبعة الهند) .</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٣ · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٣ · ص ٣٦١