ريب وحذر من أن يكون بالمسكن عيب خفي علي فاستأجرته مشاهرة بدل المسانهة
التي هي العادة الغالبة بالمدينة فقبل أيضا وبعد تمام الاتفاق والتوقيع من الجانبين على
الأوراق قال: إن سبب هذا الإكرام أني ساعة قرعكم الباب كنت نائما فرأيت أبا
العباس واقفا على سطح مقامه يناديني ب (يا علي إني مرسل إليك من يسكن بدارك
فأكرمه) فأيقظني قرع الباب فأحببت أن أقابل هذا الطارق بنفسي، لعله المرسل من
قبل السيد المرسي، فتحققت ما رجوت لأني رأيتك كثيرا بمسجده (تأمل) وعزمت
على إكرامك بكل ما يمكنني إجابة لهذا الولي الذي لم أره في منامي مدة حياتي غير
هذه المرة) قال الشيخ: فشكرته إلخ.
هذه الحكاية تمثل لنا عقيدة الشيخ الذي يرد على الوهابية، وتمثل لنا أيضا
عقيدة صاحب مجلة الإسعاد الذي نصب نفسه لإفتاء الناس وكتب على مجلته عنوان:
أكبر المجلات الإسلامية الإصلاحية
…
ثم هو يصف هذه الرسالة القبورية بالجليلة راضيا بما فيها ويرد على من قام
يدفع عن نفسه تهمة الكذب التي ألصقها به الجاهلون، فالإصلاح عند هؤلاء
المصلحين تضليل من يهتدي بهدي السلف الصالح، وإقناعه بالنظريات والتأويلات
لاتباع خرافات القبوريين وأصحاب الموالد إلخ.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد الظاهر
(المنار)
قد تكرر تقنيدنا لخرافات (الجبت) الوثنية، فنكتفي هنا بتذكير طلاب الحق
بالمسائل الآتية المفصلة في المنار من قبل، وهي:
(1) أن ما ورد من النصوص في عالم الغيب كحياة الشهداء وسماع أرواح
المؤمنين والكفار كلام أهل الدنيا - يجب الإيمان بما صح منه كما ورد بلا زيادة ولا
نقصان ولا يجري فيه القياس، بل هو مبني على السماع. وهذه مسألة لا خلاف
فيها ولكن أدعياء العلم عندنا يدرسون بعض كتب الكلام والأصول لأجل المناقشة
في عباراتها استعدادا للامتحان ولا يعقلون منها شيئا.
(2) أن هذه مسألة اعتقادية لا تقوم الحجة عليها إلا بالأدلة القطعية ولو كان
الصالحون يقضون حاجات الناس بعد موتهم وكان طلب ذلك مشروعا لبينه الله في
كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيانا لا شبهة فيه ولتواتر فعله
عن الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم) ولكن لم يرد فيه نص قطعي ولا خبر
صحيح ظني.
(3) أن الرؤى والأحلام لا يثبت بها حكم من أحكام الفروع الشرعية التي
يكتفون فيها بالأدلة الظنية، فضلا عن العقائد وأصول الإيمان التي يترتب عليها
السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي، فرجل مشغول الخيال بأمر من الأمور تخيله في
نومه واقعا على ما يحب في صورة مطابقة لعقيدته في ميت وافق تخيله الواقع،
هل يثبت بهذا أصل من عقائد الدين أو أي شيء يعتد به شرعا؟ ! أو يعد من
خوارق العادات؟ كلا إن مثل هذا يقع كثيرا لأهل كل ملة، ولا سيما الوثنيين،
والروايات عن المتقدمين والمتأخرين فيها كثيرة، ولكن أدعياء العلم عندنا لا
يعرفون من أمر العالم ولا من تاريخه شيئا يعتد به. وإن علماء النفس المتأخرين قد
أثبتوا أن بعض الناس يشعرون في المنام أو اليقظة ببعض ما تتوجه إليه أنفسهم من
الأمور وينقلون وقائع كثيرة في ذلك. فلا يبعد على هذا أن تكون نفس صاحب
الدار قد شعرت وهو نائم بأن رجلا في مسجد المرسي سيطلب منه أن يسكن في
داره فصور له الخيال أن المرسي هو الذي أرسله ويطلب إكرامه. فهل نرتب
على هذا المنام الذي تكثر أمثاله في كل أمة وملة أن المرسي سمع دعاء الشيخ
اللاجئ إليه واستجاب له وتمثل لصاحب الدار في منامه وأخبره بما أخبره وأمره بما
أمره، ثم نجعل هذا دليلا على شرعية الذهاب إلى القبور التي اتخذت مساجد،
فاستحق متخذوها لعنة الله على لسان خاتم رسله في آخر حياته وندعوهم بأن يقضوا
حاجاتنا، خلافا لكتاب ربنا وسنة نبينا وسيرة سلفنا الصالح: {ربنا لا تزغ
قلوبنا بعد إذ هديتنا} (آل عمران: 8) ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا﴾ (الممتحنة: 5) .