إلى السجن ثانية فهو الآن بين جدرانه المربعة ثاويا، وفي حجرة ضيقة منه قانعا،
فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(*) تابع لما في الجزء الأول.</span></span>
الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">
الشفاعة الشرعية
والتوسل إلى الله بالأعمال وبالذوات والأشخاص
من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية [*]
(الوجه الثاني) [1] الدعاء له والعمل له سبب لحصول مقصود العبد فهو
كالتوسل بدعاء الرسول والصالحين من أمته. وقد تقدم أن الدعاء إما أن يكون
إقساما به أو تسببا به، فإن قوله: (بحق الصالحين) إن كان إقساما عليه فلا يقسم
على الله إلا بصفاته. وإن كان تسببا فهو تسبب لما جعله سبحانه سببا وهو دعاؤه
وعبادته. فهذا كله يشبه بعضه بعضا وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق ولا
عمل صالح منا. فإذا قال القائل: أسألك بحق الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن
كان يقسم بذلك فلا يجوز أن يقول: وحق الملائكة وحق الأنبياء وحق الصالحين،
ولا يقول لغيره: أقسمت عليك بحق هؤلاء، فإذا لم يجز أن يحلف به ولا يقسم،
فكيف يقسم على الخالق به؟ وإن كان لا يقسم به فليس في ذوات هؤلاء سبب يوجب
حصول مقصوده، لكن لا بد من سبب منه كالإيمان بالأنبياء والملائكة، أو منهم
كدعائهم لنا، لكن كثير من الناس تعودوا ذلك كما تعودوا الحلف بهم حتى يقول
أحدهم: وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله.
وفي الحلية لأبي نعيم أن داود عليه السلام قال: يا رب بحق آبائي عليك
إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه (يا داود أي حق لآبائك علي؟) وهذا
وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب
منه سائر ما يقدر عليه. وأما الغائب والميت فلا يطلب منه شيء.
وتحقيق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه إليه و (به) لفظ فيه إجمال
واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء
والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته من أعظم
الوسائل عند الله. وأما في لغة كثير من الناس أن يسأل بذلك ويقسم عليه بذلك،
والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال:
أقسمت عليك يا رب بملائكتك، ونحو ذلك. بل إنما يقسم بالله وأسمائه وصفاته.
فيقال (أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض يا ذا
الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) الحديث كما
جاءت به السنة. وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين
الإسلام.
وقوله [2] : (اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من
كتابك، وباسمك وحدك الأعلى وكلماتك التامة) مع أن في جواز الدعاء به قولين
للعلماء فجوزه أبو يوسف وغيره ومنع منه أبو حنيفة، وأمثال ذلك [3]- فينبغي
للخلق أن يدعوا بالأدعية الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة فإن ذلك لا ريب في
فضله وحسنه فإنه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا، وهو أجمع وأنفع، وأسلم
وأقرب إلى الإجابة.
وأما ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانت لكم إلى
الله حاجة فاسألوا الله بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) فهذا الحديث لم يروه أحد
من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث. والمشروع: الصلاة عليه في كل
دعاء. ولهذا لما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره ذكروا الأمر بالصلاة عليه،
ولم يذكروا فيما يشرع للمسلمين في هذا الحال التوسل به، كما لم يذكر أحد من
العلماء دعاء غير الله والاستغاثة به في حال من الأحوال، وإن كان بينهما فرق