الإخصائيون النابغون في جميع العلوم الدينية والدنيوية والفنون التي عليها مدار
العمران في هذا العصر، فيكون منهم الذين ينفردون بعلوم القرآن، ويكونون
المرجع للأمة في تفسيره وبيان إعجازه وصراط هدايته المستقيم، وما أودع فيه من
الحكمة وإصلاح البشر، ودفع الشبهات التي تحوم حوله، وسائر ما يعرض للناس
في هذا العصر من ذلك.
ويكون منهم حفاظ الحديث وعلماء روايته ودرايته وتحرير كل ما يحتاج
الباحثون إلى تحقيقه فيه من جرح وتعديل واستنباط لما قصر فيه المتقدمون من
حكمه وأحكامه وسياسته وسائر ما يحتاج إليه أهل هذا العصر من هدايته.
ويكون منهم أئمة الفقه وأصول التشريع القادرون على بيان ما في الشريعة
السمحة من أصول الإصلاح للبشر الذي تفضل به جميع القوانين الوضعية،
وأساتذة علوم اللغة العربية وآدابها الناهضون بترقية التعليم والتصنيف فيها على
المناهج التي ارتقت بها لغات الأمم الحية والمتقنون لجميع اللغات الراقية.
ويكون منهم الأطباء في كل فرع من فروع الطب والمهندسون البارعون في
كل نوع من أنواع الهندسة والفلكيون وعلماء الاقتصاد السياسي والماليون.
ونقول باختصار: يجب أن يتخرج منهم في هذه الجامعة كل صنف من العلماء
والعاملين الذين تحتاج إليهم الأمة الإسلامية فيما يجب أن تتوجه إليه في نهضتها
التي تحيي بها مجد الإسلام وسيادته وإصلاحه للبشر ليتولوا ترقية التربية والتعليم
والإرشاد والتهذيب في المدارس وتأليف الجمعيات الدينية، والعلمية والخيرية،
والأحزاب الاجتماعية والسياسية والشركات المالية وغير ذلك، وحينئذ تعلم الأمة
أن سلائل آل بيت نبيها هم سادتها وأئمتها وسفينة نجاتها مما سقطت فيه من الذل
والجهل والتفرق والتمزق.
ويتوقف هذا المشروع على وضع نظام لجمع المال الكثير له من جميع أقطار
الأرض بطريقة مأمونة موثوق بها، يقتنع كل من وقف عليها بأن ما يدفعه
سيصرف في الغرض الذي جبي لأجله، وعند الشروع في جباية المال يعلم
المحبون الصادقون لآل البيت، ويعلم المنافقون والمقلدون الذين ينحصر حبهم لهم
في مآتم عاشوراء، ونقل رمم الموتى إلى النجف والكاظمية وكربلاء، وما إلى
ذلك من البدع التي سيقضي عليها روح هذا الزمان بسرعة عجيبة.
قد انتشر اقتراحي هذا واشتهر حتى إن بعض المخلصين من شيعة العراق
طبعوه في رسالة صغيرة نشروها في الناس؛ ولكن السيد محمد بن عقيل الذي كان
أول من خوطب به وعرف قيمته لم تسم به همته إلى السعي لتنفيذه ولا سعى غيره
من العلويين ولا من الشيعة لذلك.
بيد أن الملك فيصلا أنشأ في بغداد مدرسة باسم (جامعة آل البيت) لم يتح لها
من رجال العلم وأئمة الإصلاح من يعطيها حقها، فقضي عليها في مهدها.
وأختم هذا البحث هنا بكلمة نصح أخص بها إخواني مؤسسي جمعية الرابطة
العلوية في جزائر الهند الشرقية وغيرها (والرائد لا يكذب أهله) وإن اتخذني
الجاهلون منهم خصما لهم، وهي: تساهلوا ما استطعتم في الصلح بينكم وبين
الإرشاديين، واعلموا أن التواضع خير لكم من التكبر، وأن تفضيل الناس لكم
بشرف النسب لن يكون في هذا الزمان إلا بوسيلتين أقربهما وأسهلهما مكارم
الأخلاق وعمل البر، وأبعدهما النبوغ في العلوم والأعمال الإصلاحية العامة التي
اقترحتها عليكم من قبل، واعتبروا بالدولة البريطانية (الأرستقراطية) التي صار
رئيس وزارتها من حزب العمال، واعلموا أن تكريمكم لنسبكم رهين بحفظكم
لحرمته بأدبكم، ولا تنسوا قاعدة الشرع في الغنم والغرم، فمن يؤتى أجره مرتين،
يضاعف له العذاب ضعفين، وسأفصل هذا في مقال مستقل إن شاء الله.
(للترجمة بقية)
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الشيخ مصطفى نجا
مفتي بيروت
في العشر الأخير من رمضان هذا العام قضى نحبه ولقي ربه صديقنا الأستاذ