تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا من حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق؛ وهي بيعة العقبة الثانية، قال كعب بن مالك: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبدالله بن عمرو ابن حرام أبو جابر أخبرناه؛ وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا إيماننا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنك سيد من ساداتنا وإنا نرغب لك فيما نرغب لأنفسنا، ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد معنا العقبة وكان نقيا، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين؛ حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب من نساء بني النجار؛ وأسماء بنت عمرو بن عدي من نساء بني سلمة، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس وهو يومئذ مشرك إلا أنه أحب أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول من تكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الأوس والخزرج باسم الخزرج - إعلموا أن محمدا منا حيث قد علمتم؛ هو في عز من قومه ومنعة في بلده؛ وأراه قد أبى إلا اللحوق بكم والانقطاع إليكم، فلما كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه؛ فإنكم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؟ فمن الآن فدعوه؛ فإنه في عز ورفعة ومنعة.

قال: فقلنا: سمعنا قولك، فتكلم يا رسول الله؛ وخذ لنفسك وربك ما شئت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلى القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، وقال:

" " أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون أنفسكم ونساءكم وأبناءكم ". قال: فأخذ البراء بن معرور بيده؛ ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا نمنعك مما نمنع أبناءنا، بايعنا يا رسول الله؛ فنحن أهل الحرب ونحن أهل الحلقة ورثناها صاغرا عن كابر. ثم قال أبو الهيثم بن التبهان: يا رسول الله؛ إن بيننا وبين الناس عهودا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " بل الدم الدم؛ والهدم الهدم، وأنتم منا وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ".

ثم قال: " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلا على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين بعيسى عليه السلام ". فأخرجوا إثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج؛ وثلاثة من الأوس، فلما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج؛ هل تدرون على ما تبايعون؛ إنما تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا انتهكت أموالكم بالأخذ، وأشرافكم بالقتل أسلمتموه؟! فمن الآن؛ فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعاكم إليه على نهيكة الأموال وقتل الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: " لكم الجنة ". قالوا: أبسط يدك؛ فبسط يده، فبايعوه.

فأول من ضرب على يده: البراء بن معرور؛ ثم بايع القوم واحدا واحدا، قال: فلما بايعنا صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته أحياء كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: " هذا عدو الله شيطان العقبة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمضوا إلى رحالكم ". فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبيا؛ لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " لم أؤمر بذلك، إرجعوا إلى رحالكم ".

التفسير الكبير · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٩٧