3.196-197
قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك ﴾؛ أي لا يحزنك ولا يعجبك، ﴿ تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ﴾؛ إمتداد هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والمراد به أصحابه؛ كأنه قال: لا يغرنك أيها السامع ذهاب اليهود ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض؛ منفعة يسيرة في الدنيا تنقطع وتفنى؛ ﴿ ثم مأواهم ﴾؛ مصيرهم إلى؛ ﴿ جهنم وبئس المهاد ﴾؛ أي بئس الفراش النار.
وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغره شيء لتحذير الله إياه عن الاغترار بشيء وتأديبه إياه. وقيل: نزلت في مشركي العرب؛ كانوا في رخاء من العيش، وكانوا ينحرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير؛ ونحن قد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية.
وقرأ يعقوب: (لا يغرنك) بإسكان النون. قوله تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ أي تصرفهم في الأرض للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب. وقوله: ﴿ متاع قليل ﴾ أي متاع قليل فان. قال النخعي: (إن الدنيا جعلت قليلا؛ وما بقي منها إلا قليل من قليل).
3.198
قوله تعالى: ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله ﴾؛ تقدير هذه الآية مع ما قبلها: لا يعجبك يا محمد تقلب أولئك الكفار في نعيم الدنيا، بل ما أعطي المتقون في الآخرة أفضل، فإن ﴿ الذين اتقوا ربهم ﴾ أي وحدوه وأطاعوه ﴿ لهم جنات ﴾ أي بساتين تجري من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار مقيمين فيها.
قوله تعالى: ﴿ نزلا ﴾ أي رزقا وثوابا لهم، وهذا نصب على التفسير؛ كما يقال للشيء: هبة أو صدقة. ويجوز أن يكون نصبا على المصدر على معنى: انزلوا نزلا، والنزل: ما يهيأ للنازل من كرامة وبر وطعام وشراب ومنظر حسن.
قوله تعالى: ﴿ وما عند الله خير للأبرار ﴾؛ أي من عند الله من الجزاء والثواب خير للصالحين من ما لهم في الدنيا. قرأ أبو جعفر: (لكن الذين) بالتشديد. وقرأ الحسن والنخعي: (نزلا) ساكنة الزاي.
روى أنس بن مالك قال:
" دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير، وتحت رأسه وسادة من أدم وحشوها ليف، فدخل عليه عمر رضي الله عنه فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم انحرافة؛ فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: " ما يبكيك يا عمر؟ " فقال: وما لي لا أبكي يا رسول الله! وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الذي أرى، فقال: " يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " فقال: بلى، قال: " هو كذلك " ".