تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.103

قوله عز وجل: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ الآية. قال مقاتل: (كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال؛ حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك رجلان: ثعلبة بن غنم الأوسي؛ وسعد بن زرارة الخزرجي، فقال الأوسي: منا خزيمة ذو الشهادتين؛ ومنا حنظلة غسلته الملائكة؛ ومنا عاصم بن ثابت حمى الدين؛ ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز العرش لموته ورضي بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب؛ ومعاذ بن جبل؛ وزيد بن ثابت؛ وأبو زيد سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. فجرى الحديث بينهم؛ فغضبوا، فقال الخزرج: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلى الله عليه وسلم لقتلنا سادتكم واستعبدنا أبناءكم ونكحنا نساءكم بغير مهر، فقال الأوس: قد كان والله الإسلام متأخرا كثيرا، فهلا فعلتم ذلك حين ضربناكم حتى أدخلناكم البيوت، وتكاثرا وتشاتما ثم تبادءا واقتتلا حتى اجتمع الأوس والخزرج ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم في أناس من المهاجرين وقد نهض بعضهم إلى بعض. قال جابر: فما كان طالع يومئذ أكرم علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلينا فكففنا فوقف بيننا، فقرأ:

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

[آل عمران: 102-103] إلى قوله تعالى:

وأولئك لهم عذاب عظيم

[آل عمران: 105] فألقى الفريقان السلاح وأطفأوا الحرب، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية، ومشى بعضهم إلى بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعانق بعضهم بعضا يبكون، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ).

قوله تعالى: ﴿ بحبل الله ﴾ أي تمسكوا بدين الله، وقيل: بالجماعة. وقال مجاهد وعطاء: (بعهد الله). وقال قتادة والسدي والضحاك: (معناه: واعتصموا بالقرآن). وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" كتاب الله هو الحبل المتين؛ والذكر الحكيم؛ وهو الصراط المستقيم "

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن هذا القرآن هو حبل الله المتين؛ وهو النور المبين؛ والشفاء النافع؛ وعصمة من تمسك به؛ ونجاة من تبعه "

وقال مقاتل: (معنى الآية: واعتصموا بأمر الله وطاعته). وقال أبو العالية: (بإخلاص التوحيد لله). وقال ابن زيد: (بالإسلام).

قوله تعالى: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ أي تناصروا في دين الله ولا تتفرقوا فيه كما تفرقت اليهود والنصارى.

قال صلى الله عليه وسلم:

" " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، فإن أمتي ستتفرق على اثنين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة " فقيل: يا رسول الله؛ وما هذه الفرقة الواحدة؟ فقبض يده وقال: " الجماعة " ثم قرأ: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "

وقال صلى الله عليه وسلم:

" إن الله تعالى رضي لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا؛ واسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وكره لكم قيل وقال؛ وإضاعة المال؛ وكثرة السؤال ".

قوله تعالى: ﴿ واذكروا نعمت الله عليكم ﴾ أي احفظوا منة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهلية، يقتل بعضكم بعضا، فجمع الله بين قلوبكم بالإسلام المحرم للأنفس والأموال إلا بحقها، فصرتم بنعمة الله إخوانا في الدين.

قال محمد بن اسحاق: (كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهم عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سمير بن زيد أحد بني عمرو بن عوف قتل خليطا لمالك بن العجلان الخزرجي يقال له حاطب بن الحرث؛ فوقع الحرب بين القبيلتين؛ فتطاولت بينهم تلك العداوة مائة وعشرون سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب مثل ما كان بينهم. واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث وظهر بمكة آمن به الأوس والخزرج وهم بالمدينة، فلما هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقعت الألفة بينهم وزالت العداوة من قلوبهم وقد كادوا يتفانون، وقد كان سبب ألفتهم ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالموسم وهو بمكة يعرض نفسه على قبائل العرب، فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا؛ وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة؛ وعوف بن عفراء؛ ورافع بن مالك؛ وقطبة بن عامر؛ وعقبة بن عامر؛ وجابر بن عبدالله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أنتم؟ " فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: " أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ " قالوا: بلى؛ فجلسوا؛ فدعاهم إلى الله عز وجل فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان معهم بالمدينة يهود أهل كتاب ذكروا لهم أن نبيا مبعوثا قد دنا زمانه، فلما كلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي ذكره اليهود؛ فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه وصدقوه وأسلموا؛ وقالوا: يا رسول الله؛ إن معنا قوما بينهم من العدواة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمع كلمتهم بك؛ فأقدم إليهم وادعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم وقد أسلموا، فلما وصلوا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٩٥