ولا يؤخذ منها عدل
[البقرة: 48] أي لا يقبل، وقوله:
ويأخذ الصدقات
[التوبة: 104] أي يقبلها.
والإصر في اللغة: الثقل؛ لكن يراد به العهد لما فيه من الثقل. وقال بعضهم: لفظ الأخذ يحتمل وجهين؛ أحدهما: قبلتم على ذلكم عهدي، والثاني: أخذتم العهد على ذلكم بذلك على أممكم.
قوله تعالى: ﴿ قالوا أقررنا ﴾؛ أي قالت الأنبياء صلوات الله عليهم: أقررنا بالعهد، ﴿ قال ﴾ الله؛ تعالى؛ ﴿ فاشهدوا ﴾؛ أي يشهد بعضكم على بعض بذلك، واشهدوا على أتباعكم. وقيل: معنى ﴿ فاشهدوا ﴾ أي بينوا لمن يكون بعدكم؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ثم قال تعالى: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾؛ أي أنا من الشاهدين عليكم وعلى أممكم. وقيل: معنى: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي قال للملائكة: فاشهدوا على إقرارهم.
وشهادة الله للنبيين تبينة أمر نبوتهم بالمعجزات، ﴿ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾.
3.83
قوله عز وجل: ﴿ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ﴾؛ قرأ أبو عمرو: (يبغون) بالياء، و (ترجعون) بالتاء، قال: (لأن الثاني أعم، والأول خاص، ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى). وقرأ الحسن ويعقوب وسلام وحفص: (يبغون) بالياء، و (يرجعون) بالياء أيضا. وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب.
ومعنى الآية: أبعد هذه الوثائق الجارية بينهم وبين الله في أمر النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون دينا سوى ما عهده الله إليهم. قال الكلبي: (وذلك أنه لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حين اختلفوا في دين إبراهيم عليه؛ كل فرقة قد زعمت أنها أولى بدينه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم "
فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية).
قوله تعالى: ﴿ وله أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها ﴾ أي له أخلص وخضع. قال الكلبي: (أما أهل السماوات ومن ولد في الإسلام من أهل الأرض أسلموا طائعين، ومن أبى قوتل حتى يدخل في الإسلام كرها؛ يجاء بهم أسارى في السلاسل ويكرهون على الإسلام). وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل "
قوله تعالى: ﴿ وإليه يرجعون ﴾ أي إلى جزائه ترجعون في الآخرة، فبادروا إلى دينه ولا تطلبوا غير ذلك، وقيل معنى: ﴿ وله أسلم من في السموت والأرض ﴾ أي أقروا له بالألوهية كما قال الله تعالى:
ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله
[الزخرف: 87]. وقال الزجاج: (معناه: أن كلهم خضعوا لله من جهة ما فطرهم الله عليه). قال الضحاك: (هذا حين أخذ منه الميثاق وأقر به).
وقال الكلبي: (معناه: الذي أسلم طوعا أي الذي ولد في الإسلام، وبالذي أسلم كرها يعني الذي أجبر على الإسلام، فيؤتى بهم في السلاسل فيكرهون على الإسلام). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كل الملائكة أطاعوا في السماء؛ والأنصار في الأرض "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" ولا تسبوا أصحابي فإنهم أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف سيوفهم "
وقال الحسن: (الطوع: لأهل السماوات خاصة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعا؛ ومنهم من أسلم كرها).
وقرأ الأعمش: (كرها) بضم الكاف. وأما انتصاب (طوعا) و (كرها) فلأنهما مصدران وضعا موضع الحال كما يقال: جئت ركضا وعدوا؛ أي راكضا وماشيا بسرعة؛ كأنه قال: وله أسلم من في السماوات والأرض طائعين وكارهين. وعن ابن عباس أنه قال: (إذا استضعنت دابة أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ إلى آخرها).