تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3.158

قوله تعالى: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾؛ معناه: لئن متم على فرشكم، أو قتلتم في الغزو فإلى الله ترجعون في الآخرة، كيف ما دارت القصة فإن مصيركم إلى الله، ولئن تصيروا إلى الله بالقتل الذي تستحقون عليه العوض خير من أن تصيروا إليه بالموت الذي لا يستحقون عليه العوض. قال علي رضي الله عنه:

فإن تكن الأبدان للموت أنشئت

فمقتلها بالسيف في الله أفضل

واللام في (لئن) لام القسم، وتصلح أن تكون للابتداء والتأكيد، واللام في ﴿ لمغفرة ﴾ جواب القسم، وتصلح أن تكون مؤكدة جواب الشرط.

3.159

قوله تعالى: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾؛ أي فبرحمة عظيمة من الله لنت لهم حتى صار لينك لهم سببا لدخولهم في الدين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أتاهم بالحجج والبراهين مع لين وخلق عظيم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

" إنما أنا لكم مثل الوالد لولده "

و (ما) في قوله زائدة لا يمنع الباء من عملها، مثل قولهم

فبما نقضهم ميثاقهم

[النساء: 155] قال بعضهم: يحتمل أن تكون (ما) استفهامية للتعجب؛ تقديره: فبما رحمة من الله سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك؛ فلم تغضب عليهم فيما كان منهم يوم أحد.

قوله: ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾؛ أي لو كنت يا محمد خشنا في القول سيء الخلق قاسي القلب لتفرقوا من حولك، فلم تر منهم أحدا، ولكن الله جعلك سمحا سهلا طلقا لطيفا لينا برا رحيما.

قوله تعالى: ﴿ فاعف عنهم واستغفر لهم ﴾؛ أي فاعف عنهم ما أتوه يوم أحد؛ وتجاوز عنهم الجريمة التي تكون بينك وبينهم، وكانوا عصوا النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المركز، وترك الآية لدعوته: [ارجعوا ارجعوا]، فندب الله النبي صلى الله عليه وسلم إلى العفو عنهم. قوله تعالى: ﴿ واستغفر لهم ﴾ أي في الذنب الذي يكون منهم حتى أشفعك فيهم.

قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾؛ أي إذا أردت أن تعمل عملا مما لم يكن عندك فيه وحي فشاورهم فيه، واعمل أبدا بتدبيرهم ومشورتهم، وكان صلى الله عليه وسلم مستغنيا عن مشورتهم، فإنه كان أرشدهم وأكملهم رأيا، لكن الله إنما أمره بالمشاورة لتقتدي به الأمة، وليكون فيه تطييب لنفوس المؤمنين، ورفع لأقدارهم وثناء عليهم. قال مقاتل وقتادة: (كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم في الأمر؛ فإنه أطيب لأنفسهم، وإذا شاورا عرفوا إكرامه لهم).

قوله تعالى: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾؛ أي أعزمت على شيء فثق بالله، وفوض إليه ولا تتكل على مشورتهم، ﴿ إن الله يحب المتوكلين ﴾؛ على الله.

واختلف العلماء في معنى التوكل، فقال سهل بن عبدالله: (أول مقام التوكل: أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف يشاء، والرجاء لا يكون له حركة ولا تدبير، والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحبس). وقال إبراهيم الخواص: (التوكل إسقاط الخوف والرجاء مما سوى الله).

قال بعضهم: المتوكل الذي إذا أعطي شكر، وإذا منع صبر، وأن يكون العطاء والمنع عنده سواء، والمنع مع الشكر أحب إليه لعلمه باختيار الله ذلك. وقال ذو النون: (التوكل إنقطاع المطامع مما سوى الله)، وقال: (هو معرفة معطي أرزاق الخلائق، ولا يصح لأحد حتى تكون السماء عنده كالصفر؛ والأرض كالحديد؛ لا ينزل من السماء مطر؛ ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين هذين).

قال بعضهم: حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله؛ وأن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض عمن دونه.

وقال الثوري: (إن تيقن تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ومدبرا). وقال بعضهم: هو السكون عن الحركات اعتمادا على خالق السموات. وقيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: (على أربع خصال؛ علمت أن رزقي ليس يأكله غيري؛ فلست أشتغل به، وعلمت أن عملي ليس يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا أستحي منه).

التفسير الكبير · الصفحة ٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٣٣٣