قوله تعالى: ﴿ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾؛ أي إن تصبروا على أذى الكفار وتتقوا معصية الله فإن ذلك من عزم الأمور وخيرها؛ أي من حقيقة الإيمان.
3.187
قوله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾؛ أي قد أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ليبين الكتاب بما فيه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته للناس ولا يخفون شيئا من ذلك. قرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيها.
قوله تعالى: ﴿ فنبذوه ورآء ظهورهم ﴾؛ أي ضيعوه وتركوا العمل به، يقال للذي ترك العمل به: جعله خلف ظهره. قوله تعالى: ﴿ واشتروا به ثمنا قليلا ﴾؛ أي اختاروا بكتمان نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته عرضا يسيرا من المآكل والهدايا التي كانت لعلمائهم من رؤسائهم، ﴿ فبئس ما يشترون ﴾؛ أي يختارون الدنيا على الآخرة.
3.188
قوله تعالى: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾؛ قرأ اهل الكوفة: (يحسبن) بالياء، وقرأ غيرهم بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿ فلا تحسبنهم ﴾ إعادة توكيد. قرأ الضحاك بالتاء وضم الباء أراد محمدا وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمر بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين؛ أي لا يحسبن أنفسهم.
واختلفوا فيمن نزلت، فقال مجاهد وعكرمة: (نزلت في اليهود وكانوا يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب الأول والعلم الأول، يريدون الفخر والسمعة والرياء لكي يثني عليهم ويحمدهم سفلتهم على ما يفعلون من بيان صفة كتابهم). وقال عطاء: (نزلت في المنافقين؛ كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويخالطون المسلمين ويراؤن بالأعمال التي يحبون أن يحمدوا ويمدحوا على ذلك).
قوله تعالى: ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾؛ أي لا تظنهم يا محمد بمنجاة؛ أي بعد من العذاب، ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾؛ وجيع في الآخرة، وتكرار ﴿ لا تحسبن ﴾ لطول القصة. ويجوز أن يكون خبر ﴿ لا تحسبن ﴾ الأول مضمرا تقديره: لا يحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لن يفعلوا ناجين، ومن قرأ (بما أوتوا) بالمد؛ فمعناه: بما أعطوا من النفقة والصدقة. ومن قرأ (بما أتوا) بما أعطوا من الدنيا.