تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى إذا كان العام المقبل وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموسم منهم اثنا عشر رجلا: أسعد بن زرارة؛ وعوف ومعاذ ابنا عفراء، وعقبة بن عامر؛ وقطبة بن عامر؛ ورافع بن مالك؛ وذكوان بن عبد قيس؛ وعبادة بن الصامت؛ ويزيد بن ثعلبة؛ والعباس بن عبادة، فهؤلاء الخزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم ابن ساعدة من الأوس. فاجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة الأولى؛ فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئا، " قال: " فإن وفيتم فلكم الجنة. وكان ذلك قبل أن يفرض الجهاد، فلما رجعوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ابن هاشم، وأمره أن يقرءهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين.

فكان مصعب يسمى في المدينة (المقرئ) وكان نزوله في بيت أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق بنا إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا فسفها ضعفاءنا وأخرجوهم؛ فإن أسعد ابن خالتي ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشركان.

فأخذ أسيد بن حضير حربته وأقبل إلى أسعد ومصعب وهما جالسان في حائط، فلما رأى أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. فلما وقف عليهما أسيد شتمهما وقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما في السلامة حاجة، قال مصعب: إجلس واسمع؛ فإن رضيت أمرا قبلته؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس عندهما فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، ثم قال: ما أحسن هذا وأجله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا: اغتسل وطهر ثوبك ثم اشهد شهادة الحق (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم ركع ركعتين.

ثم قال: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف أحد من قومه - يعني سعد بن معاذ - وسأرسله إليكما، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا؛ قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وصل إلى عندهم، قال له سعد: ما فعلت؟! قال: كلمت الرجلين؛ فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا: نفعل، وحدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه لما عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.

فقام سعد مغضبا مبادرا للذي ذكره فأخذ الحربة منه ثم قال: والله ما رأيتك أغنيت شيئا؛ ومضى إليهما؛ فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا ما فعل ذلك إلا ليستمع منهما، فوقف عليهما متبسما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة؛ لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني تغشانا في ديارنا بما نكره، فقال له مصعب: أقعد واسمع؛ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عدلنا عنك ما تكرهه، فركز حربته وجلس؛ فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالوا: تغتسل؛ وتطهر ثوبك؛ وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ وتصلي ركعتين، فقام واغتسل وغسل ثوبه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى ركعتين.

ثم أخذ حربته ومضى إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير الأوسي، فلما وقف عليهم؛ قال: يا بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون الناس إلى الإسلام، فلم يبق دار من الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٩٦