3.16
قوله تعالى: ﴿ الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ﴾ ، ﴿ الذين ﴾ في موضع خفض ردا على قوله ﴿ للذين اتقوا ﴾ أي للمتقين ﴿ الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا ﴾ وصدقنا بالله وبالرسول فاغفر لنا خطايانا، وادفع عنا عذاب النار، ويجوز أن يكون موضع ﴿ الذين ﴾ رفعا على معنى هم ﴿ الذين يقولون ربنآ ﴾ كقوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
[التوبة: 111] ثم قال في صفتهم مبتدئا:
التائبون العابدون
[التوبة: 112].
3.17
قوله تعالى: ﴿ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾؛ ﴿ الصابرين ﴾ في موضع خفض بدل من ﴿ الذين يقولون ﴾. وذهب بعضهم إلى ﴿ الصابرين ﴾ نصب بالمدح. ومعنى الآية: ﴿ الصابرين ﴾ على طاعة الله وعلى الشدائد والمصائب وعلى ارتكاب النهي وعلى البأساء والضراء، ﴿ والصادقين ﴾ في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، فإن الصدق قد يقع في القول كما يقع في الفعل، يقال: صدق فلان في القتال، وصدق في الجملة أي حقق. قال قتادة في تفسير الصادقين: (هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم في السر والعلانية). ﴿ والقانتين ﴾ أي القائمين بعبادة الله المطيعين، ﴿ والمنفقين ﴾ يعني في طاعة الله.
وقوله: ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ قال قتادة: (أراد به المصلين بالأسحار) قال أنس بن مالك: (أراد به السائلين المغفرة بالأسحار)، وقال الحسن: (انتهت صلاتهم إلى وقت السحر؛ ثم كان بعدها الاستغفار)، وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: (سمعت صوتا في ناحية المسجد سحرا يقول: إلهي دعوتني فأجبتك؛ وأمرتني فأطعتك؛ وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه).
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ثلاثة أصوات يحبهم الله: أصوات الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار "
وروي أن داود رضي الله عنه سأل جبريل: أي الليل أفضل؟ فقال: لا أدري إلا أن العرش يهتز في وقت السحر. وقال سفيان الثوري: (إن لله ريحا يقال لها الصبحة تهب وقت السحر؛ تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار)، وقال: (بلغنا أنه إذا كان أول الليل نادى مناد: إلا ليقم العابدون، فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في شطر الليل: ألا ليقم القانتون، فيقومون كذلك فيصلون، فإذا كان السحر نادى مناد: أين المستغفرون؟ فيستغفر أولئك؛ فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون؛ فيقومون من فراشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم). وقال لقمان لابنه: (يا بني لا يكونن الديك أكيس منك؛ ينادي بالأسحار وأنت نائم). والسحر: هو الوقت الذي قبل طلوع الفجر.