تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فبتنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، فقالوا لنا: يا معشر الخزرج؛ بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا لتستخرجوا ابن أخينا من بين أظهرنا وبايعتموه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان هذا شيء وما علمنا، وصدقوا لأنهم لم يعلموا على بيعتنا، فجعل بعضنا ينظر إلى بعض.

ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدوا العقد، فلما قدموا أظهروا الإسلام بها، وبلغ ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إن الله قد جعل لكم إخوانا ومنزلا ودارا تأمنون فيها "

فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار، فأول من هاجر إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي؛ ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة؛ ثم عبدالله بن جحش؛ ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن له.

فقدم المدينة؛ فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم برسوله، ورفع عنهم العداوة القديمة، وألف بينهم). وذلك قوله عز وجل: ﴿ ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم ﴾ أي بالإسلام ﴿ فأصبحتم بنعمته إخوانا ﴾ أي فصرتم، ونظيره:

فأصبح من الخاسرين

[المائدة: 30]

فأصبح من النادمين

[المائدة: 31]

إن أصبح مآؤكم غورا

[الملك: 30].

وقوله تعالى: ﴿ بنعمته ﴾ أي بدين الإسلام، وقوله تعالى: ﴿ إخوانا ﴾ أي في الدين والولاية، نظيره قوله تعالى:

إنما المؤمنون إخوة

[الحجرات: 10]، قال صلى الله عليه وسلم:

" لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تنابزوا ولا تناجشوا؛ وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا - وأشار بيده إلى صدره - حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم "

قوله عز وجل: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾؛ أي كنتم في الجاهلية على طرف هوة من النار؛ أي كنتم أشرفتم على النار؛ وكدتم تقعون فيها، أو أدرككم الموت على الكفر؛ فأنقذكم الله منها؛ أي خلصكم من النار والحفرة بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان. قوله تعالى: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾؛ التي مثل هذا البيان الذي تلي عليكم يبين الله لكم الدلالات والحجج في الأوامر والنواهي لكي تهتدوا من الضلالة، وتكونوا على رجاء الهداية.

التفسير الكبير · الصفحة ٢٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٢٩٨