وقال المبرد: الحصور: هو الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وقد يسمى كاتم السر حصورا، والذي لا يدخل مع الناس في الميسر حصورا لامتناعه من ذلك، وأصله من الحصير وهو الجسد؛ يقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحصر في قرانه إذا امتنع من اللقواة فلم يقدر عليها، ومنه إحصار العدو، قال الله تعالى:
وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا
[الإسراء: 8] أي محبسا. ويسمى الحصير حصيرا لأنه أدخل بعضه في بعض بالنسج وحبس بعضه على بعض. وأولى ما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وحصورا ﴾: هو الذي لا يأتي النساء، يحبس نفسه عن ذلك اختيارا، فهذا التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا شهوة له؛ لما في هذا من إضافة عيب العنة إليه.
3.40
قوله عز وجل: ﴿ قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء ﴾؛ معناه: قال زكريا لجبريل حين سمع البشارة يا سيدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات عقر لا تلد، قال له جبريل مثل ذلك (يفعل الله ما يشاء)؛ أي الذي شاءه. وقال بعضهم: أراد زكريا بالرب الله عز وجل؛ أي قال يا رب كيف يكون لي غلام.
قال الكلبي: (كان زكريا يوم بشر بالولد ابن تسعين سنة). وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وروى الضحاك عن ابن عباس: (أنه كان ابن مائة وعشرين سنة). وكانت امرأته بنت ثماني وتسعين سنة، فذلك قوله تعالى حاكيا عنه: ﴿ وامرأتي عاقر ﴾ أي عقيم لا تلد.
يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرا، ويقال: تكلم فلان حتى عقر بكسر القاف؛ إذا بقي لا يقدر على الكلام، وإنما حذف (الهاء) من عاقر لاختصاص الآيات بهذه الصفة كما يقال امرأة مرضع.
وقوله تعالى حاكيا عن زكريا: ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ هذا المقلوب؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت، فإن قيل: هل يجوز أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد؟ قيل: لا يجوز ذلك بخلاف قوله: ﴿ بلغني الكبر ﴾ بمعنى بلغت الكبر، والفرق بينهما أن الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه بحدوثه فيه، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إياه بمرور السنين والأعوام عليه، وأما البلد فلا يكون طالبا للإنسان، كما يكون الإنسان طالبا للبلد.
فإن قيل: كيف قال زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ فاستبعد أن يعطيه الله ولدا على كبر السن من امرأة عاقر بعدما بشرته الملائكة بذلك؟ قيل: لم يكن هذا القول منه على جهة الاستبعاد ولكن من شأن من بشر بما يتمناه أن يحمله فرط سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات، كما يقول الإنسان إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة: كيف كان هذا؟! على جهة الاستعظام لقدرة الله تعالى لا لشك في القدرة.
وقيل: معناه: على أي حال يكون الولد أيردني الله وامرأتي إلى حال الشباب، أم على هذه الحالة؟! وقيل: معناه: أيرزقني الله الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابة؟ فقيل له ﴿ كذلك الله يفعل ما يشآء ﴾؛ أي كإثمار السعفة اليابسة؛ يفعل الله ما يشاء.