موافقة نص القانون ومدلوله اللفظي الذي هو هيكله الظاهر، وبين روحه والمقصود
منه في الباطن، وهو الحق والعدل والإصلاح بين الناس في القضايا الشخصية،
سواء كان الخصم الشخصي فيها فردا، أو جماعة كالشركات أو مصلحة عامة
كالحكومة، فإذا تعارض نص القانون الحرفي هو وروحه الذي تتحقق به حكمة
الشارع وغرضه فإنهم يسمون من يرجح الأول قاضي القانون، ويسمون من يرجح
الثاني قاضي العدل والإنصاف، والفقهاء يفرقون أيضا بين ما يثبت قضاء وما
يجب تدينا.
فالمراتب ثلاثة: أعلاها الجمع بين مدلول اللفظ وحكمته المقصودة منه،
وهما كالجسد والروح للشخص، ودونها المحافظ على الحكمة وإرجاع اللفظ إليها
ولو بضرب المثل من التأويل، ودونهما الجمود على الظواهر اللفظية.
وموضوع الحيل في الشرائع والقوانين والعقود والوعود والأيمان والنذور بيانا
وإفتاء وحكما وتنفيذا دون هذه الثلاثة، وهو التحول عن مدلول اللفظ الحرفي
بتأويل أو تحريف أو معارضة تقتضي ترجيح غيره عليه، وإنما يفعله الإنسان هربا
وتفصيا مما يوجبه عليه النص، والمؤاخذة في القضاء الدنيوي إنما تترتب على
مخالفة النص التي تسمى عصيانا للشرع والقانون، فإن كان النص قطعي الدلالة
فلا مفر من العقاب على مخالفته، وإن كان غير قطعي بأن كان محتملا لمعنيين أو
أكثر كان الترجيح لأحد معانيه بالاجتهاد، وكان أقوى وجوه الترجيح مراعاة غرض
الشارع وحكمته من النص. وفقهاء الشرع والقانون متفقون على هذا الأصل، ومن
كان يدين الله بعلمه وعمله فهو أولى بمراعاته عندما يؤلف أو يفتي أو يحكم.
فمن رجح معنى على معنى بالاحتمال اللفظي المخالف لروح التشريع وحكمة
الشارع منه كان متبعا للهوى لا للحق، والله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام:
{فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون
عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} (ص: 26) وهذا
الأمر والنهي من أصول الشرع الديني الإلهي الذي لا ينسخ ولا يتغير بتغير
الشرائع، فهو كالتوحيد في العقائد.
وقد بينا في التفسير وغيره أن نصوص الكتاب والسنة قسمان (أحدهما) ما
كان قطعي الدلالة كالرواية وهو الذي عليه مدار التشريع العام الذي عليه مدار
الاجتهاد، والواجب أن يعذر المختلفون بعضهم بعضا فلا يكون سبب للتفرق
والعداء بالاختلاف وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل لأمته، وجرى
عليه خلفاؤه وعلماء صحابته، وأئمة السلف الصالح من بعدهم قبل حدوث
عصبيات المذاهب والشيع، مثال ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {يسألونك عن
الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} (البقرة: 219) فهم منها بعض
الصحابة تحريم ما إثمه أرجح من نفعه فتركوا الخمر والميسر، ولم يفهم هذا
الآخرون ولعلهم الأكثرون فظل شرب الخمر شائعا مباحا كالميسر الذي كان قليلا،
ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركهما؛ لأن دلالة الآية على تحريمها غير
قطعية إلى أن نزلت آيات سورة المائدة القطعية الدلالة فتركهما الجميع، وصار
صلى الله عليه وسلم يعاقب من يشرب الخمر. وهكذا كان صلى الله عليه وسلم
يعذر المختلفين في فهم كلام الله تعالى، وكلامه الظني الدلالة دون القطعي،
وشواهده كثيرة.
وأما الفقهاء المقلدون فإن منهم من يجعلون نصوص علمائهم أصولا شرعية
دينية يوجبون الاعتماد على مدلولها اللفظي في العمل والقضاء ويبيحون الحيل
لتطبيق ذلك عليها، وإن خالف ما هو معلوم بنص المعصوم من مراد الله تعالى
وحكمته، وما كان مجمعا عليه، فهم من الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:
(لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذارع، حتى لو دخلوا جحر ضب
لدخلتموه. قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قل: فمن؟) رواه البخاري
ومسلم وغيرهما، وشر ما اتبعوا فيه سننهم جعل كتبهم ككتاب الله تعالى في التحليل