تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ودخل في الوعيد على

ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قصد به تحريم ما أحل

الله أو تحليل ما حرم الله كان آثما، ولا فرق في حصول الإثم في التحيل على

الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له، والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له.

(واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون؛ لأنهما ليسا

من أهل العبادة، وعلى سقوط القود في شبه العمد؛ لأنه لم يقصد القتل، وعلى

عدم مؤاخذة المخطئ والناسي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما، وقد تقدم ذلك

في أبوابه، واستدل به لمن قال كالمالكية: اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه

التورية، وعكسه غيرهم، وقد تقدم بيانه في الأيمان.

(واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا (اليمين على نية

المستحلف) وفي لفظ له (يمينك على ما يصدقك به صاحبك) وحمله الشافعية على

ما إذا كان المستحلف الحاكم، واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار

المقاصد بالقرائن كما تقدمت الإشارة إليه.

(وضبط بعضهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام:

(أحدها) أن تظهر المطابقة إما يقينا وإما ظنا غالبا. (والثاني) أن يظهر

أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينا وإما ظنا (والثالث) أن يظهر في معناه ويقع التردد

في إرادة غيره وعدمها على حد سواء، فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو

لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره، وإذا ظهرت إرادته

بخلاف ذلك، فهل يستمر الحكم على الظاهر، ولا عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما

ظهر من إرادته؟

(فاستدل للأول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى

الربا، ونية المتعاقدين فيها فاسدة لكان فساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد

به البيع من هذا الظن، كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلا مسلما

بغير حق، فإن العقد صحيح، وإن كانت نيته فاسدة جزما، فلم يستلزم تحريم القتل

بطلان البيع، وإن كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق

الأولى) .

(واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل، فيصير بها تارة حراما وتارة

حلالا كما يصير العقد بها تارة صحيحا وتارة فاسدا كالذبح مثلا، فإن الحيوان يحل

إذا ذبح لأجل الأكل، ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة، والرجل يشتري

الجارية لوكيله فتحرم عليه، ولنفسه فتحل له، وصورة العقد واحد، والأول قربة

صحيحة، والثاني معصية باطلة، وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر

رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم. وقد نقل النسفي

الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من

أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق. اه.

هذا ما كتبه الحافظ في الفتح في حديث النية، ونقلناه كله؛ لما فيه من الفوائد

ويقول: إن فقهاء المذاهب كعلماء القوانين الوضعية يستنبطون الأحكام من عبارات

نصوص المذهب من غير نظر في النيات الباعثة على الأعمال، ولا في موافقة

حكم التشريع وعلله الدينية، وما يرضي الله ويثيب عليه، وما يسخطه ويعاقب

عليه، ويسمون هذه الأحكام شرعية فيفهم الناس أنها شرع الله الذي خاطبهم به

ويحاسبهم عليه، فما صححوه منها فهو الحلال الذي يرضيه، وما أبطلوه فمخالفته

حرام يسخطه، وليس الأمر كذلك بإطلاقه، بل الحق ما تقدم أنفا بالإجمال مجملا،

وهنا تحقيق القول فيه مفصلا مؤصلا.

التحقيق الفلسفي في المسألة:

التحقيق في هذه المسألة: أن الأحكام الشرعية لها نصوص تبينها وتضبطها،

وحكم هي المقصودة بالتشريع والمراد منه، وعلماء الحقوق وفلسفة القوانين

يعبرون عن هذا الحكم بروح القانون، وعن الأول بحرفية القانون أو بالمعنى

الحرفي له، وهم متفقون على أن القاضي العادل هو من يجمع في أحكامه بين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ١٨٥