بهذه الترجمة إلى أن جميع الأحكام الشرعية من فعل وترك تدخل في عموم هذا
الحديث خلافا لمن خصه بالعبادات وما في معناها كالأيمان. وسائر أبوابه في
الصلاة والزكاة والنكاح والبيوع والغصب والهبة والشفعة والاحتيال للفرار من
الطاعون واحتيال العامل (أي عامل السلطان) ليهدى له. وقد كتب الحافظ ابن
حجر على عنوان (كتاب الحيل) في شرحه له (فتح الباري) ما نصه:
الحيل: جمع حيلة وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، وهو عند
العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال
حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو
مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي
مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة.
ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول، هل يصح مطلقا، وينفذ ظاهرا
وباطنا أو يبطل مطلقا أو يصح مع الإثم؟ ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة
كثيرة فمن الأول قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ (ص:
44) وقد عمل به صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث
أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ (الطلاق: 2) وفي الحيل مخارج من المضايق، ومنه مشروعية الاستثناء، فإن
فيه تخليصا من الحنث، وكذلك الشروط كلها، فإن فيها سلامة من الوقوع في
الحرج، ومنه حديث أبي هريرة وأبي سعيد في قصة بلال: (بع الجمع بالدراهم
ثم ابتع بالدراهم جنيبا) .
(ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث: (حرمت عليهم الشحوم
فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها) وحديث النهي عن النجش، وحديث: (لعن المحلل
والمحلل له) .
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود
ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل، ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ
ظاهرا وباطنا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال تنفذ ظاهرا لا باطنا،
ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه
القرائن الحالية. وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية؛ لكون أبي يوسف صنف
فيها كتابا لكن المعروف عنه، وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال
صاحب المحيط: (أصل الحيل قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثا﴾ (ص: 44)
الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت
لإبطال حق مسلم فلا، بل هي إثم وعدوان) اه.
أقول: إن هذا الأصل لا ينفعهم، فإنه تخفيف من الله على نبيه أيوب عليه
السلام فهو نص إلهي استثنائي لا يصح أن يقيس عليه من قال: إن شرع من قبلنا
شرع لنا، فضلا عمن يقول: ليس شرعا لنا، وهو الحق بنص القرآن أو هو من
قبيل خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم في شرعنا. ومثله احتيال يوسف عليه
السلام لأخذ أخيه مع عدم المخالفة لشرع ملك مصر، وهو مما يستدلون به على
شرعية الحيل، فإن الله تعالى قال: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ (يوسف: 76) فهو
إذا إذن منه تعالى، فلا يقاس عليه ما يفعل مخالفة شرعه، وسيأتي الكلام على ما
أشار الحافظ من الأحاديث في أدلة الفريقين.
ثم كتب الحافظ في الكلام على حديث النية منه ما نصه متعلقا بالموضوع:
(واستدل به من قال بإبطال الحيل، ومن قال بإعمالها؛ لأن مرجع كل من
الفريقين إلى نية العامل. وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنف إشارة إلى
بيان ذلك، والضابط ما تقدمت الإشارة إليه: إن كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو
مطلوب، وإن كان فيه فوات حق فهو مذموم، ونص الشافعي على كراهة تعاطي
الحيل في تفويت الحقوق، فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه، وقال كثير من
محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله: (وإنما لكل
امرئ ما نوى) فمن نوى بعقد البيع الربا، وقع في الربا، ولا يخلصه من الإثم