ولعلمي بهذا لم أعن بالرد عليه والعناية بإظهار جهله، بل لم أنظر إلا في
قليل مما كتبه، وكان المرحوم رفيق بك العظم أول من أنبأني بمقالاته في جريدة
السياسة التي جعل عنوانها (حديث الأربعاء) وما فيها من الجناية على التاريخ
العربي والإصلاح الإسلامي وإغراء النابتة بالفسق والإباحة - لأقرأها وأرد عليها فلم
أفعل، ولعله كان رحمه الله أول من رد عليه؛ ولكنني عنيت بإظهار ما كان خفيا
على الناس من أمر الحزب الذي اتخذه داعية له والجمعية التي تؤيده وتنوه به، وقد
سميتها (جمعية الإلحاد والزندقة، والإباحة المطلقة) فانتقموا مني بهجر من القول،
وقذع فاحش من البهت، وتبديل حسناتي سيئات، كقولهم إنني كنت أقل الناس
وفاء وأشدهم كنودا للشيخ محمد عبده حتى أنني بعت مذكراته ومستندات تاريخه
للخديو عدوه! ! ! ها هو ذا تاريخ الأستاذ الإمام قد ظهر ناطقا بما يعلم الناس،
وبما لم يكونوا يعلمون من سيئات الخديو في مقاومة الشيخ محمد عبده في إصلاحه،
وناشرا لما كان مطويا من مذكراته، فهل رجع المفتري علينا عن بهتانه؟ وإذا
كان صاحب المنار قليل الوفاء للشيخ محمد عبده وهو الذي يشهد له 32 مجلدا من
المنار بالتنويه بفضله والإشادة بذكره، فليدلنا ذلك الكاتب على الأوفياء له على
واحد من أحيائهم وأمواتهم؟
لقد كان وجود الدكتور طه حسين أستاذا معلما للآداب العربية في الجامعة
المصرية ذنبا كبيرا لوزارة المعارف؛ فإنه مفسد لآداب النفس التي لا قوام لها إلا
بالدين، ولا دين إلا باليقين، ومن قواعد آدابه الشك والتشكيك في الدين وفي غير
الدين، فهو من أكبر المفسدين، وإنه على إفساده لآداب النفس غير مصلح في
آداب اللغة، بل هو مفسد فيها أيضا، وإن شهد له إخوانه الملاحدة في مصر
وأوربة وأخوه - الذي في حلب أيضا - بأنه إمام المصلحين، كما شهد هو لأبي
نواس أفسق أهل عصره بأنه إمام المصلحين! ! فإن كل آدابه اللسانية خلابة لفظية،
ونظريات جدلية، وإذ كان وجوده ذنبا لها وللحكومة فإخراجه كفارة لهذا الذنب،
وإذ كان هو مفسدا للآداب فإخراجه إصلاح لا ريب فيه.
ولقد سر هذا الإصلاح جميع أهل الدين وكل من يغار على الفضائل والآداب
الصحيحة، ولو وقع في عهد سعد باشا عقب حملته عليه في مجلس النواب تلك
الحملة الشديدة لعده السواد الأعظم من الأمة من أكبر حسنات سعد، ولفاضت أنهار
الجرائد الوفدية بمقالات الثناء على سعد، والقذف والرجم لطه حسين، إذ كان
يدخل حجرة الدرس في الجامعة فيسمع من صفير طلبتها وزفيرهم ما يكاد يحرقه
إحراقا.
ولكن جاء هذا الإخراج أو الإصلاح في وقت لم تظهر فيه مزاياه لجمهور
الأمة وسوادها الأعظم، أو ظرف غير مناسب كما قال بعض الأدباء المستقلين،
فكان من أثره ما كان من الدفاع عن طه حسين وإطرائه بالتبع للدفاع عن استقلال
الجامعة المصرية، والهجوم على الوزارة الصدقية، ورميها بإخراجه لأسباب
سياسية.
وما لنا نحن معاشر المستقلين في الرأي والمنتبذين لأقصى مكان من السياسة
الحزبية لا نقول الحق ولا نخاف فيه لومة لائم، على أنه لا يقدر أحد أن يتهمنا
بالانتصار للحكومة أو الدفاع عنها، بل يعلم السعديون الخلص أننا كنا مع سعد من
حزب شيخنا وشيخه الأستاذ الإمام رحمه الله، وما زلنا أقرب إلى مبادئ سعد
والوفد الشعبية أو الوطنية (الديمقراطية) منا إلى خصومها مع المحافظة على
استقلالنا في الرأي، وجهرنا بما نعتقد أنه الحق، وعدم نصبنا العداء لأحد، ما لنا
لا نقر ونقرر وننوه بما نعتقد أنه إصلاح، ونقول إنه إصلاح، ونظهر سرورنا به،
ونثني على فاعله، من غير أن نماري خصومه في سياستهم، وأي صحيفة أجدر
بنصر الإصلاح الإسلامي من منار الإسلام الذي نصب للعناية به والدعوة إليه.
قال حكيمنا المصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغاني لأستاذنا العلامة الشيخ