تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقاليد الحكومة طريقة متبعة في اختيار وزير المعارف من رجال الإصلاح الملي

والأدبي الذين يهمهم حفظ دين الأمة ووقايتها به من الفساد والفوضى؛ وإنما

الطريقة المتبعة عند كل حزب تقسيم الوزارات بين رجال الحزب المستمسكين به،

لا يصرفهم صارف عن جعل وزير المعارف أحد المعروفين بالإلحاد، كما لا

يصدهم صاد عن جعل وزير الحربية أحد الأدباء أو رجال الاقتصاد.

ولقد كان من مثار العجب جعل الأستاذ أحمد لطفي السيد المحامي وزيرا

للمعارف، حتى إذا ما تبوأ هذا المنصب مراد بك سيد أحمد القاضي الأهلي زال

ذلك العجب، واعتقد كل غيور على الدين أن الحكومة المصرية متعمدة القضاء

على هداية الدين في الأمة بتربية بنيها وبناتها على الإلحاد والإباحة المطلقة.

لئن كان الدكتور طه حسين من سيئات الأول بتغذيته مبادئ الإلحاد في نفسه،

وتجرئته على بثها بقلمه أولا، وفي دروسه في الجامعة آخرا؛ فإن الثاني قد ابتدع

في وزارة المعارف من فنون التربية على الإباحة، وإلقاء جلابيب الحياء والصيانة،

من رقص التهتك والخلاعة، وتصوير الشبان والشواب، مجردين ومجردات من

الثياب، ما يتضاءل أمامه ذلك الإفساد القولي الذي يمكن إبطاله بما هو أقوى منه

في نوعه.

ليس بكثير على مثل مراد بك سيد أحمد أن يفترص ارتقاءه إلى منصب

وزارة المعارف، فيبتدع فيها تعليم النابتة المصرية من البنين والبنات التمثيل

الإباحي والرقص التوقيعي بأنه من الرياضة الجسدية وتجديد المدنية، ويربيهم على

التجرد من الثياب بحجة الترقي في صناعة التصوير، وهو هو الذي كان قاضيا

فرفعت إليه قضية رجل يطلب فيها عقاب أستاذ في المدارس على التصدي لتخبيب

امرأته وإفسادها عليه بمخاطبته إياها في الطريق بعبارات التصبي والاستمالة،

كقوله لها إن جمالها قد سلب منه الرقاد، وحكم عليه بطول السهاد، فحكم هذا

القاضي الذي ارتقى من كرسي القضاء إلى كرسي الوزارة بأن ما وقع من الأستاذ

المعلم المربي مظهر من مظاهر حب الجمال وهو فضيلة من الفضائل؛ وإنما

يعاقب القانون على الرذائل، فحكم ببراءة الفاسق المتصدي لإفساد نظام الزوجية،

وكفى به إفسادا للأمة.

أجدر برجل هذا رأيه وهذا وجدانه في القضاء أن يعد من أعلى الفضائل التي

يخدم بها أمته بتربيتها عليها بالفعل تمتع شبانها وشوابها بكل ما في أبدان الحسان

من الجمال الخفي والظاهر، على مذهب الشاعر القائل:

حسن الغصون إذا اكتست أوراقها ... ونراك أحسن ما تكون مجردا

ولكن الغريب المريب أن يجعل مثل هذا القاضي الجمالي والمجدد الإباحي

وزيرا للمعارف، وأن يبتدع فتنته وتقره هيئة الوزارة عليها، ولا تبالي إنكار أهل

الدين ومحبي الصيانة لها، وما منعني أن أرفع صوتي يومئذ بمشايعة المستنكرين،

إلا أنني ظننت أن الحكومة المصرية قد أجمعت أمرها على إلقاء هذا الشعب

المتدين في فوضى الإباحة المطلقة، وقذفه في تيهور الإلحاد والزندقة، وأنه لم يبق

لهذا المزاج الحكومي من علاج، إلا أن يصب الله المنتقم عليها صوت عذاب.

بيد أن الحكومة لم تلبث أن أخرجت هذا الرجل من الوزارة، وجعلته سفيرا

لها في أوربة، وناطت وزارة المعارف بمحمد حلمي باشا عيسى فأبطل البدعتين

الإباحيتين، فعلمنا أن ابتداعهما إنما كان بسوء رأي الوزير الذي افتجرهما، لا

بمقتضى خطة إجماعية من الحكومة قام بتنفيذها.

ثم إن هذا الوزير جعل الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب في الجامعة مفتشا

للغة العربية في الوزارة، فأخرجه من الجامعة التي يبث فيها إلحاده، فكان

لإخراجه ضجة شديدة ورجة عنيفة في الجامعة، لا لأجل طه حسين نفسه، بل

لأجل المحافظة على جعل الجامعة مستقلة كجامعات أوربة لا يملك وزير المعارف

نقل عميد منها، ولا أستاذ إلا بقرار من مجلس إدارتها، وقد افترص هذه الضحة

والرجة معارضو الحكومة فكبروها تكبيرا وكبروا طه حسين بالتبع لها، فهب في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٥١