تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دينها ودنياها.

فاللغة في الأمة الواحدة كالمجموع العصبي في البنية، به يكون شعور جميع

الأعضاء بكل ما يطرأ عليها من الإدراكات والمؤثرات المؤلمة والملائمة، وعلى

هذا الشعور يتوقف التعاون الإيجابي والسلبي، فلا يتم لنا إحياء هداية الإسلام

بأنواعها ولا وحداته المتقدمة ولا فائدة مؤتمراته إلا بإحياء لغته الجامعة.

هذا ما رأت لجنتنا عرضه على الهيئة العامة لهذا المؤتمر وهي مستعدة لبيان

ما عساه يحتاج إلى الإيضاح منه، والدفاع عما يرد عليه من النقد، والسلام.

... ... المقرر ... ... ... ... رئيس لجنة الدعوة والإرشاد

... إسعاف النشاشيبي ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا

* * *

الاعتراض على التقرير في المؤتمر

دعيت لتلاوة التقرير على منصة المؤتمر في جلسة يوم الأحد قبل الظهر ثالث

شعبان سنة 1350 (13 ديسمبر سنة 1931) وتصدى للاعتراض الشيخ سعيد

درويش البابي الحلبي أحد أعضاء اللجنة الذي ذكرت خطته وشغبه في الجلسات

التي حضرها، فأسكته الرئيس ليتمكن الأعضاء من سماع التقرير وفهمه متصلا

بعضه ببعض، وليكون الاعتراض بعد إتمامه وفهمه أدنى إلى كونه معقولا ... إلخ.

وبعد تلاوته حضرت صلاة الظهر، فأرجئت الجلسة إلى ما بعد الصلاة، ثم

افتتحت في أول الساعة الثانية بعدها وفتح باب المناقشة فيه، فقام الشيخ سعيد

درويش فقال: إن مسألة الدعوة والإرشاد مهمة جدا؛ لأنها تتعلق بالعقيدة، وإن أهم

شيء عند المسلم أن يحافظ على عقيدته، وأنه هو كان عضوا فيها وفي اللجنة

المالية؛ ولكنه رأى الشيخ رشيدا رئيس هذه اللجنة مستبدا فيها لا يسمح للأعضاء

بإبداء آرائهم، وأنه هو كلما كان يبدي رأيا نادى عليه الشيخ رشيد بالويل والثبور.

ثم قال: إن هذا التقرير الذي قدمه الشيخ رشيد ليس تقريرا؛ لكنه محاضرة هو

الذي وضعها وحده فلم يشترك هو فيها، وإنها صنفت من مادة مطاطة بأسلوبه

الوهابي ليؤيد فيها مذهب الوهابية ضد سائر المذاهب الإسلامية، وإنه هو كان

اقترح على اللجنة أن تقرر عدم وجود خلاف بين المذاهب فلم يقبل كلامه (قال)

وإننا نطلب الحكم على هذا التقرير بالإعدام.

وقام السيد محمد الصبان مندوب الجاليات الحجازية التي تسعى لمقاومة ملك

الحجاز في خارج الحجاز فثنى على الشيخ سعيد درويش بأن هذا التقرير وهابي

وضع لتأييد مذهب الوهابية، فاضطرب المؤتمر لهذه الجرأة الغريبة، وانبرى

أعضاؤه لتفنيد هذه المفسدة المدعاة، مفسدة التفريق بين مذاهب المسلمين وفرقهم.

فسبق الأستاذ الشيخ مصطفى الغلاييني رئيس المجلس الإسلامي في بيروت،

وألقى خطابا وجيزا بصوت جهوري، قال ما خلاصته:

إننا جئنا إلى هنا لجمع كلمة المسلمين ونحن فوق المذاهب، وليس في

استطاعة أحد أن يمنع اختلاف المذاهب ويجعلها مذهبا واحدا، فالمذاهب تبقى على

حالها، وليحترم كل منا مذهب الآخر، ويكون مرجعنا إلى كتاب الله فهو جامعتنا

الدينية الكبرى، ولا بد أن يأتي يوم تتقارب فيه الأذهان حتى لا يبقى خلاف، وإذا

كنا نحن ندعو إلى التقارب بين المسلم والمسيحي، فكيف يمكن أن نفرق بين المسلم

والمسلم؟

ثم تكلم مقرر اللجنة الأستاذ إسعاف بك النشاشيبي فقال ما خلاصته:

إن لجنتنا قد اجتمعت واختارت السيد رشيد رضا رئيسا لها (وعلل ذلك

بالتنويه بعلمه وخدمته للإسلام في هذا العمل وغيره زهاء أربعين عاما) وإن

المعترض كان يحضر الجلسات أولا، وقد اقترح على اللجنة أن تقرر أنه لا يوجد

خلاف بين المذاهب الإسلامية، وإنني أنا رددت عليه وقلت له: إن الخلاف

موجود وإنكاره مكابرة لا فائدة فيها، وخير لنا أن لا نذكره وأن نكتفي بذكر الأشياء

المجمع عليها، ثم انقطع عن الحضور. وقال: إننا لما أردنا قراءة التقرير للمرة

الأخيرة أخبرت الشيخ سعيدا هذا ودعوته إلى حضور الجلسة فامتنع، والتفت إليه

وقال: أما نحن فقد حضرنا وتقرر كل شيء برأينا، وأما أنت فقد فررت من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ١٤٤