الحج والجمعة والجماعة والعيدين والأذان التي ثبتت بالتواتر العملي المجمع عليه
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه - فالواجب فيها الاتباع ولا يجوز فيها
تغيير بزيادة ولا نقصان، ولا صفة من الصفات بناء على عدم دليل يمنع ذلك، بل
الأدلة الفقهية الظنية لا يعتد بها في معارضة الشعائر المنقولة بالتواتر، وأما إذا
وجد جماعة في قرية ليس فيها مسجد موقوف تقام فيه الجمعة والجماعة وأقاموها في
بيت من بيوتهم؛ فإنهم لا يكونون مخالفين للمأثور، على قول الجمهور بصلاتها
في القرى وعدم اشتراط المصر الذي تقام به الأحكام الشرعية، وهذا مذهب الحنفية.
* * *
(ج 36) زيادة الصلوات والسلام في الأذان:
الأذان من شعائر الإسلام المنقولة بالتواتر من عهد الرسول صلى الله عليه
وسلم، وكلماته معدودة في كتب السنة وكتب الفقه مجمع عليها بين أئمة المسلمين
من أهل السنة والجماعة، والشيعة يقولون فيه (حي على خير العمل) ولهذا
أصل في بعض الروايات، وهو أنه وجد في أول الإسلام، ثم ترك ونسخ على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما زيادة الصلوات والتسليمات في آخره فهي من بدع المؤذنين المتأخرين
وقد توسع فيها بعضهم فصاروا ينادون فيها البدوي وغيره من الأموات الذين
يدعوهم هؤلاء المبتدعة من دون الله، فقد دهشت سنة قدومي إلى مصر إذ سمعت
أول مؤذن طرق سمعي صوته في أذان الفجر ينادي في آخر الأذان: يا شيخ
العرب.
وإنما فشت هذه البدعة وأمثالها في أمصار المسلمين بسبب جهل المعممين
أدعياء العلم بالسنة، وما ترتب عليه من عدم إنكارهم على منتحلي البدع، وفتح
لهم باب الاحتجاج على تأييد البدع قول بعض فقهاء القرون الوسطى بأن البدعة
قسمان: حسنة وسيئة، فصاروا يتبعون أهواءهم في الاستحسان وعدمه، وإننا
لنعجب أشد العجب إذ نرى بعض كبار علماء الأزهر يفتون الناس ببدعة الزيادة في
الأذان ويزعمون أنها حسنة؛ لأنها ذكر مشروع في جنسه وحسن، وقد قلنا ولا
نزال نقول في تفنيد جهلهم هذا: إذا جاز للناس في العبادة المأثورة أن يزيدوا فيها
غير المأثور في نفسه، وإن كان مأثورا في نفسه فلهم أن يزيدوا في أول الأذان
وفي وسطه كما يزيدون الآن في آخره، وأن يكون من هذه الزيادة تلاوة بعض
آيات القرآن فإنه لا أحسن منه، ولهم أيضا أن يزيدوا في الصلاة ركعات أو
سجدات أخرى، وأن يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التلاوة في كل
ركعة.
وهل يوجد دليل على امتناع هذا كله غير كونه مخالفا للمأثور؟ وما الفرق إذا
بين الأذان وغيره؟ أما إنه لو فعل هذا كثير من العوام، لأفتاهم باستحسانه مفتي
مجلة نور الإسلام.
* * *
(ج 37) تعريف البدعة وأقسامها:
البدعة في اللغة: الفعلة أو الحالة المبتدعة المستحدثة، فإن كانت في الدين
فهي شرع لم يأذن به الله وافتراه على الله، وهي ما لم يكن في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم وجماعة المسلمين في عهده من العبادات، كما قال الإمام مالك: كل ما
لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم دينا فلا يكون بعده دينا، وأما غير
الدينية المحضة فهذه منها حسن وهو النافع الذي لا مفسدة فيه، ومنها سيئ وهو
الضار وما يترتب عليه فساد مثلا، وكل منهما درجات فتعتريها الأحكام الخمسة،
ودليله حديث مسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) إلخ، وقوله (في الإسلام) معناه في عهد الإسلام المقابل لعهد الجاهلية.
وتسمية عمر رضي الله عنه جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح
بدعة تسمية لغوية؛ فإن صلاة قيام رمضان جماعة مشروع في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يواظب عليه لئلا يظن وجوبه، وصار
الناس بعده يصلونها جماعات متفرقة، فجمعهم عمر على إمام واحد لكراهة التفرق
شرعا.
وأما البدعة الدينية المحضة فهي لا تكون إلا قبيحة وضلالة، ودليل الكلية ما