تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو روق: (كانت أم إبراهيم كلما جاءته لتنظر إليه وجدته يمص أصابعه، وقالت: ذات يوم نظرت إلى أصابعه، فوجدته يمص من إصبع ماء؛ ومن إصبع لبنا، ومن إصبع عسلا؛ ومن إصبع سمنا).

وقال بعضهم: لما وضعت أم إبراهيم حملها، ذهبت به وحفرت له حفرة وألقته فيها وسدتها عليه بصخرة، ورجعت فسألها أبوه آزر: ما فعل حملك؟ قالت: وضعت غلاما فمات، فصدقها وسكت عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم مثل ما يشب غيره في الشهر، ويشب في الشهر ما يشب غيره في السنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر يوما، ثم أخبرت أمه أزر بخبره وما صنعت به، فلما شب إبراهيم في المغارة وعقل وتكلم، أتته أمه ذات يوم فقال لها: من ربي؟ قالت: أنا! قال: ومن ربك؟ قالت: أبوك! قال: ومن رب أبي؟ قالت: النمرود! قال: ومن رب النمرود؟ قالت: اسكت! فسكت.

ثم رجعت إلى أبيه وأخبرته بذلك، فأتاه آزر؛ قال له: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك؛ قال: ومن رب أمي؟ قال: أنا! قال: ومن ربك؟ قال: النمرود! قال: ومن رب النمرود؟ فلطمه؛ وقال: اسكت؛ فسكت.

ثم أنه خرج بعد ذلك من السرب حين غربت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم فقال: لا بد أن يكون لهذه رب وخالق، ثم تفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني هو ربي، ما لي إله غيره. ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾ أي غشيه الليل؛ رأى الزهرة؛ ﴿ قال هذا ربي ﴾. ﴿ فلمآ أفل ﴾ ذلك النجم؛ قال: لا أحب ربا ليس بدائم. ثم نظر؛ فرأى القمر طالعا في آخر الليل؛ ﴿ قال هذا ربي ﴾ ، فلما رآه يسري وينتقل من مكان إلى مكان، علم أنه محدث لا يصلح أن يكون ربا؛ ف ﴿ قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس ﴾ طالعة قد ملأت كل شيء، ﴿ قال هذا ربي هذآ أكبر ﴾ مما قبله، ﴿ فلمآ أفلت ﴾ جاء إلى قومه فرآهم يعبدون الأصنام، ف ﴿ قال يقوم إني بريء مما تشركون ﴾.

قوله عز وجل: ﴿ فلما جن عليه الليل ﴾؛ وأظلم أي غطاه، والتظلم، يقال: يجن جنة الليل؛ وأجنه وجن عليه؛ إذا أظلم، وجنت الميت وأجنته إذا دفنته. وقوله تعالى: ﴿ رأى كوكبا قال هذا ربي ﴾؛ في هذا القول ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه قال هذا ربي في ظني؛ لأنه كان في حال فكرة واستدلال، وكان في ذلك الوقت مهلة له للتروي والنظر، فلما رأى الكوكب في علوه وضيائه، قرر في نفسه على ما ينقسم حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا، فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا، قضى بأنه محدث بمقارنته، أما ذات الحدث وأنه ليس برب، وأن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام، وأن ذلك يستحيل منه، كما استحال ذلك من نفسه إذا كان محدثا، فحكم بمساواته له من جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا.

ثم لما طلع القمر فوجد صفته في العظم والإشراق وانبساط النور أكبر، قرر في نفسه أيضا على ما ينقسم حكمه فقال: هذا ربي، فلما رآه وتأمله وجده في معنى الكوكب في الطلوع والأفول، فحكم عليه بحكمه، وإن كان أكثر منه ضوءا.

ثم لما رأى الشمس في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها، قال: هذا ربي؛ لأنها كانت تخالف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف، فلما رآها أفلت، حكم لها بالحدوث وأنها في حكم الكوكب والقمر منتقلة؛ لوجود دلالة الحدث في الجميع. قالوا: والذي يؤيد هذا التأويل الذي ذكرناه: أن قول إبراهيم على وجه النظر والتفكر، ما ذكره الله عنه أنه عليه السلام قال: ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾.

والثاني؛ وهو الأقرب إلى الصحة: أن إبراهيم إنما قال هذا في حال الطفولة قبل كمال عقله حين حركة الخواطر للفكرة، والنظر في دلائل توحيد الله تعالى.

فإن قيل: كيف يحمل أن هذا القول من إبراهيم كان على ابتداء النظر، وقد تقدم إنكاره على أبيه وقومه عبادة الأصنام لقوله: ﴿ أتتخذ أصناما آلهة ﴾؟ قيل: تقدم الآية في التلاوة لا يوجب أنها مقدمة في الحال، ولا يمتنع أن إبراهيم عليه السلام أنكر على أبيه وقومه بعد هذا النظر الذي ذكرناه.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٩٠