6.51
قوله تعالى: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾؛ أي أنذر بالقرآن وخوف به ﴿ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ وخوف به الذين يعلمون أن حشرهم إلى ربهم؛ أي إلى موضع لا يملك فيه أحد نفعهم ولا ضرهم إلا الله تعالى. قالوا: والذين يخافون البعث أحد رجلين؛ إما مسلم فينذر ليؤدي حق الله في إسلامه، وإما رجل من أهل الكتاب فهو مقرون بأن الله تعالى خلقهم وأنهم مبعوثون محاسبون. ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ﴾.
6.52
قوله عز وجل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾؛ قال عبدالله بن مسعود: (مر جماعة من المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب بن الأرت وبلال وعمار بن ياسر وغيرهم من ضعفاء المسلمين؛ فأرادوا الحيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطردوا أصحابه، فقالوا: يا محمد، لو طردت هؤلاء السفلة والعبيد عنك أتاك أشراف قومك ورؤساؤهم يستمعون مقالتك ويصدقونك، وذكروا ذلك أيضا لعمر رضي الله عنه، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حرصا على إسلام أشراف قومه، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعض الذي طلبوه، فأنزل الله هذه الآية). يعلمه أنه لا يجب أن يفضل غنيا ولا شريفا على فقير وضعيف؛ لأن طريقه فيما أرسل به الدين دون أحوال الدنيا.
فذلك قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ أي يعبدون ربهم بالصلاة المفروضة غدوا وعشيا وهم ضعفة الصحابة وصفهم الله بالمواظبة على عبادته في طرفي النهار؛ ثم شهد لهم أنهم مخلصون في الإيمان بقوله: ﴿ يريدون وجهه ﴾ أي يريدون وجه الله تعالى بذلك؛ ويطلبون رضاه. وذكر الوجه على سبيل التفخيم كقوله تعالى:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. معناه: إلا هو.
قوله تعالى: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾؛ أي ما عليك من حساب عملهم وباطن أمرهم من شيء، ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾؛ أي ما عليهم من باطن أمرك شيء ولا يسألون عن عملك ولا تسأل أنت عن عملهم.
وقيل: معناه: ما عليك من رزقهم من شيء، وما من رزقك عليهم من شيء. قوله تعالى: ﴿ فتطردهم ﴾؛ جواب ﴿ ما عليك من حسابهم ﴾. وقوله تعالى: ﴿ فتكون ﴾؛ جواب ﴿ ولا تطرد ﴾. ﴿ من الظالمين ﴾ ، ومعناه: فتكون من الضارين لنفسك أن لو طردتهم.
وتقدير الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فتطردهم. وقال سلمان وخباب:
" فينا نزلت هذه الآية، فجاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزاري وأصحابهم من المؤلفة، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين، فلما رأوهم حوله حقروهم؛ وقالوا: يا محمد؛ لو جلست في صدر المسجد، ونفيت عنا هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك. وكان عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها.
فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أنا بطارد المسلمين " فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا مجلسا تعرف العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك؛ فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فأجابهم إلى ذلك، فقالوا: أكتب لنا عليك بذلك كتابا. فدعا بصحيفة ودعا عليا رضي الله عنه ليكتب.
قال: فبينما نحن قعود في ناحية المسجد؛ إذ نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ الآية. فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: " سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم ويتركنا، فأنزل الله تعالى: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ﴾.