تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.74

قوله عز وجل: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة ﴾؛ أي اذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر، من قرأ (آزر) بالنصب فموضعه خفض بدل من (أبيه) إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجمي، ومن رفعه فعلى النداء؛ أي يا آزر. وكان آزر مسكنه (كوت) قرية من سواد الكوفة.

قال السدي والحسن: (آزر اسم لأبي إبراهيم). وقال الفراء: (هو صفة عيب وسب؛ ومعناه في كلامهم: المعوج). وقيل: معناه: الشيخ لهم. وقيل: قال إبراهيم لأبيه المخطىء، أو قال لأبيه: يا مخطىء. وكان على هذا القول اسم أندتارخ بن ياجوراء. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: (آزر اسم صنم) وهو على هذا التأويل في موضع نصب، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: اتخذ آزر أصناما آلهة من دون الله.

وقيل: كان إبراهيم قال لأبيه: لا تتخذوا آزر إلها، أتتخذ أصناما آلهة، ﴿ إني أراك وقومك في ضلال ﴾؛ عن الحق؛ ﴿ مبين ﴾؛ أي ظاهر الضلالة في ذهاب عن الحق بين.

6.75-79

قوله تعالى: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ﴾؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرة في دينه والحق في مخالفة قومه؛ نريه ملكوت السماوات والأرض؛ أي ملكها ونريه القدرة التي يقوي بها دلالته على توحيد الله تعالى، وهو ما رأى من السماء والأرض والكواكب والقمر والشمس.

وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (معنى: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ﴾ أي آيات السماوات والأرض؛ وذلك أنه أقيم على صخرة وكشف له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين، ونظر إلى مكانه في الجنة؛ وذلك قوله تعالى:

وآتيناه أجره في الدنيا

[العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة).

وقيل: معنى الآية: كما أرينا إبراهيم قبح ما كان عليه أبوه وقومه من المذهب؛ كذلك نريه ملكوت السماوات والأرض. والملكوت: عبارة عن أعظم الملك؛ زيدت الواو والتاء للمبالغة؛ كما يقال: رهبوت خير من رحموت، هذا مثل يقوله العرب؛ معناه: لئن ترهب خير من أن ترحم. فملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم؛ وملكوت الأرض: الجبال والشجر. وقوله تعالى: ﴿ وليكون من الموقنين ﴾؛ أي نريه الملكوت ليستدل بذلك على توحيد الله ويثبت على اليقين.

قوله عز وجل: ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ﴾ قال المفسرون: إن إبراهيم ولد في زمان النمرود بن كنعان، وكان النمرود أول من دعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه.

قال السدي: (رأى النمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوءا، ففزع من ذلك ودعا السحرة والكهان؛ وسألهم عن ذلك فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، يكون هلاكك على يديه. فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، وأمر الرجال باعتزال النساء، وجعل عليهم الحراس، فمكث كذلك ما شاء الله).

قال السدي: (خرج النمرود بالرجال إلى العسكر، ونهاهم عن النساء مخافة من ذلك المولود، فبدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فدعاه وأمره لحاجته إلى المدينة، وقال له: إنك ثقتي؛ فأقسمت إليك أن لا تدنو من امرأتك ولا تواقعها، ثم أوصاه بحاجته. فلما دخل المدينة وقضى حاجته، قال: لو دخلت على أهلي فرأيت كيف حالهم، فلما نظر إلى امرأته لم يتمالك حتى وقع عليها، وكانت قد طهرت من الحيض، فحملت بإبراهيم عليه السلام، فلما حملت به؛ قالت الكهنة للنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه الليلة، فأمر النمرود بذبح كل ولد من الغلمان.

فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض، خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في موضع، ثم لفته في خرقة وجعلته في الحلفاء، ثم رجعت إلى زوجها فأعلمته، فانطلق أبوه إليه وحفر له سربا في ذلك المكان وجعله فيه، وسد عليه بصخرة مخافة أن تأكله السباع، وكانت أمه تختلف إليه سرا فترضعه، وكان إذا بكى على أمه أتاه جبريل عليه السلام فوضع إصبعه في فمه فيخرج منها اللبن، فكان يمص سبابة نفسه).

التفسير الكبير · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٨٩