تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد فندنو منه حتى تكاد ركبنا أن تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال: " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات " ".

وقال مجاهد: (قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا. فأنزل الله هذه الآية). وقال عكرمة: (جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي ونوفل ابن الحارث وعمر بن نوفل إلى أبي طالب؛ قالوا له: لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا؛ فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع لله عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا. فأتى أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فحدثه بالذي كلموه.

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو فعلت ذلك يا رسول الله؛ حتى تنظر ما الذي يريدون؛ وإلى ما يضمرون من قولهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾. قال ابن عباس: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة (بالغداة والعشي) يعني صلاة الصبح وصلاة العصر).

6.53

قوله تعالى: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ ﴾؛ قال ابن عباس: معناه: (وكذلك ابتلينا (بعضهم ببعض): العربي بالموالي؛ والغني بالفقير؛ والشريف بالوضيع؛ ليقول الأغنياء والأشراف مثل عيينة بن حصين الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: لو طردت هؤلاء السفلة، ومثل أصحابه؛ كانوا يقولون: هؤلاء - يعنون سلمان وأصحابه - من الله عليهم بالمغفرة والإسلام من بيننا). وقال الكلبي: (هو أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد أسلم قبله استنكف أن يسلم، وقال: قد سبقني هذا بالإسلام؛ فلا يسلم).

ومعنى (اللام) في قوله: ﴿ ليقولوا ﴾ لام العاقبة؛ ومعناه: ليكون عاقبة أمرهما؛ قال الأغنياء والأشراف: أهؤلاء المستضعفون فضلهم الله علينا. ونظير هذه اللام في هذه الآية قوله تعالى:

فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

[القصص: 8]، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لأجل أن يكون لهم عدوا وحزنا، ولكن عاقبة التقاطهم إياه أن صار لهم عدوا وحزنا.

وقال بعضهم: اللام في قوله: ﴿ ليقولوا ﴾ معناها الاستفهام؛ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالإيمان.

والفائدة في ذلك أن الأغنياء كانوا شاكين في أن سبق الفقراء إلى الإيمان وصبرهم على طريقة الدين؛ هل يوجب أن تكون نعمة من الله عظيمة عليهم، فأمرهم الله تعالى أن يستفهموا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لأجله يقوم الفقراء بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم واستحقوا الإعظام، فيظهر عند الاستفهام جواب النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون في سماعهم لذلك مصلحة عظيمة توجب رضاهم بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم أهل الدين. قوله تعالى: ﴿ أليس الله بأعلم بالشكرين ﴾؛ استفهام بمعنى التحقيق على معنى أن الله أعلم بمن هو من أهل التوحيد والثواب.

التفسير الكبير · الصفحة ٥٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٥٧٦