تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قيل: لم قصر التحريم في هذه الآية على الأشياء المذكورة فيه؛ مع أنه تعالى قد حرم أشياء غيرها في أول سورة المائدة؟ قيل: لأن هذه الآية مكية؛ نزلت في جواب الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم البحيرة ونحوها، فكانت هذه الأربع المحرمات المذكورات في هذه الآية محرمة يوم المجادلة، ثم نزلت بعد هذه الآية تحريم غيرها بقوله تعالى:

حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير

[المائدة: 3] في سورة المائدة.

وهذه الآية لا تمنع شيئا آخر لخبر الآحاد، والقياس على المحرمات المنصوصة لاتفاق الفقهاء على تحريم أشياء غير مذكورة في هذه الآية كالخمر ولحم القرد والنجاسات. وأما الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

" نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع؛ وكل ذي مخلب من الطير "

فهو بمنزلة آية من كتاب الله تعالى؛ لقوله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[الحشر: 7].

6.146-147

قوله عز وجل: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾؛ في هذه الآية بيان ما حرم الله على اليهود. قال ابن عباس: (أراد بقوله: ﴿ كل ذي ظفر ﴾ الإبل والنعام والبط والإوز وما أشبه ذلك مما لا يكون منفرج الأصابع). وقيل: أراد به ما يصيد بالظفر مثل النسور والبراري وما يشاكل ذلك من السباع والكلاب. وقال ابن زيد: (هي الإبل فقط). قرأ الحسن: (كل ذي ظفر) بكسر الظاء وإسكان الفاء. وقرأ أبو السمال: (ظفر) بكسرهما جميعا؛ وهي لغة.

وقوله تعالى: ﴿ ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما ﴾؛ من الشحم وهو السمن، ﴿ أو ﴾؛ ما حملت؛ ﴿ الحوايآ ﴾؛ وهي المباعر والأمعاء التي عليها الشحم من داخلها؛ واحدتها حاوية وحاوياء وحوية؛ سميت بذلك لأنها تحوي ما في البطن. وقوله: ﴿ أو ما اختلط بعظم ﴾؛ أراد به ما يكون من الشحم المخلط من اللحم على عظم الجنب. وأما الإلية؛ فقد كانت داخلة في التحريم.

قوله تعالى: ﴿ ذلك جزينهم ببغيهم ﴾؛ أي ذلك التحريم عاقبناهم بظلمهم، ﴿ وإنا لصدقون ﴾؛ فيما نقول إن هذه الأشياء كانت حلالا في الأصل؛ فحرمناها على اليهود بمعصيتهم ومخالفتهم لأنبيائهم، وكانت اليهود مع هذا التحريم يجملون الشحوم فيبيعونها؛ فيستحلون ثمنها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:

" لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلو ثمنها؛ إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم بيعه وأكل ثمنه ".

فلما نزلت هذه الآية؛ قال صلى الله عليه وسلم:

" هذا ما أوحى الله تعالى إلي أنه محرم منه على المسلمين، ومنه على اليهود ".

فقال المشركون: إنك لم تصب فيما قلت، فقال الله عز وجل: ﴿ فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ﴾؛ أي إن أنكروا ولم يقبلوا قولك؛ فقل: ﴿ ربكم ذو رحمة واسعة ﴾ بالإمهال بأن لن يعاجلكم بالعقوبة؛ ﴿ ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ﴾؛ أي لا يرد عذابه عن المشركين واليهود إذا جاء وقت العذاب.

التفسير الكبير · الصفحة ٦٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ٦٢٥