السنة؛ لأنهم هم الذين أحبوه كما أمر الله ورسوله، وأما غيرهم فأعداؤه في الحقيقة
إلخ.
(خامسا) علم من هذا أن قوله: إنه ينقل الأحاديث الشريفة في أصل مذهب
الشيعة من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم ومن طرقهم الوثيقة إلخ غير صحيح
فإنه لم يذكر شيئا من طرق الأحاديث التي نقلها، وإنما نقلها من غير كتب رواتها،
بل لا يعرف تلك الطرق ولا رآها، ولو رآها لما عرف صحيحها من سقيمها، فإن
ادعى أنه يعرف هذا وذاك، وأنه قال ما قال عن معرفة، فإننا نسأله: لم لم يذكرها؟
ثم نتحداه بأن يبين لنا هذه الطرق، وينقل لنا أقوال علماء الجرح والتعديل في
رجال أسانيدها، ومن المعلوم بالبداهة أن نقل هذا بعد تحدينا إياه به لا يدل على أنه
كان يعلمه قبله، وهو على كل حال لن يكون إلا حجة عليه.
(سادسا) قوله: إنه لا ينقل من طريق الشيعة؛ لئلا يقال ما ذكره - فيه:
إن أئمة أهل الحديث لا يقولون مثل هذا القول فيهم كلهم، وقد عدلوا كثيرا من
رجال الشيعة في الرواية فليأتنا بما شاء من رواياتهم بطرقهم المتصلة إن وجدت.
(سابعا) إن ما نقله عن ربيع الأبرار للزمخشرى المعتزلي هو باطل المتن
على حسب أصول المعتزلة والشيعة الذين يحكمون عقولهم في الروايات الصحيحة
فيردونها أو يؤولونها بل يؤولون آيات القرآن التي توهم التشبيه بزعمهم، فكيف
يقبلون حديثا لا يصح له سند، ولا يظهر له تأويل تقبله اللغة، وهو جعل الشيعة
كقطار آخذ كل واحد منهم بحجزة الآخر، وهي معقد إزاره يكون أوله رب العالمين
له حجزة يأخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم {سبحان ربك رب العزة عما
يصفون} (الصافات: 180)
وجملة القول: أن هذه الروايات التي أوردها الأستاذ كاشف الغطاء لا يصح
منها شيء ألبتة، ولا يعتد بإيهامه لقارئ كلامه أنها أقرب ما علق بذهنه عرضا من
روايات المحدثين الكثيرة المعتمدة أو المتواترة عند أهل الحديث، وأنه لو شاء
لأورد أضعافها وجعلها في معنى الوحي الواجب اتباعه، فلو كان في كتب الصحاح
أو السنن شيء منها، ولو واحدا لكان أولى منها كلها. ولو رجعنا إلى أسانيدها
وبينا علة كل منها لطال الكلام في غير طائل، وإنما البينة على المدعي وإنا نتحداه
ونتحدى غيره أن يأتونا بسند حديث واحد (منها) رجاله رجال الصحيح.
ثم نقول (ثامنا) إن فرضنا أنه صح حديث مرفوع في ذكر شيعة علي فإننا
ننقل الكلام إلى المراد منه في اللغة، وقوله تعالى في موسى عليه السلام: {هذا
من شيعته وهذا من عدوه} (القصص: 15) فنقول: إنهم هم الذين اعتقدوا أنه
هو الذي كان على الحق فنصروه على من عادوه وتبرءوا منه وحاربوه من
الخوارج، وكذا معاوية وأتباعه خلافا لابن حجر الهيتمي وأمثاله الذي يخرجون
هؤلاء منهم بحجة أنهم كانوا مجتهدين متأولين فلهم أجر واحد، ولعلي وأتباعه
أجران، فإن متبع الحق مستقل الفكر فيه بلا هوى ولا تعصب لمذهب يجزم بأن
معاوية نفسه كان باغيا خارجا على الإمام الحق كالخوارج، وأنه طالب ملك،
ويؤيد ذلك إكراه الناس على جعل هذا الملك لولده يزيد المشتهر بالفسق، وأن بعض
الخوارج كانوا متأولين كبعض أصحاب معاوية الذين اعتقدوا أنه كان على حق في
مطالبته بدم عثمان، فمجموع كل من الفريقين بغاة خارجون على إمامهم الحق،
وأفرادهم يتفاوتون في النية والقصد، كتفاوتهم في العلم والجهل، وحكمه كرم الله
تعالى وجهه عليهم في جملتهم هو الحق، وهو أن بغيهم لا يخرجهم من الإسلام،
وإن كلمته عليه السلام: (إخواننا بغوا علينا) لكلمة لو وزنت بالقناطير المقنطرة
من اللؤلؤ والمرجان، لكانت ذات الرجحان في هذا الميزان.
هذا ما يصح به تفسير شيعته في عهده، فإن صح إطلاق هذا اللقب على أحد
من بعده فيجب إطلاقه على كل من يقولون: إنه كان هو الإمام الحق في زمن
خلافته كما كان على الحق في مبايعة الأئمة الثلاثة من قبله، وجميع أهل السنة