الواسطة) فالإسلام بزعمها هو شر محض، فينبغي تنفير الناس منه بالحق
وبالباطل، وهذه الفرقة من المستشرقين كثيرة العدد يطول بنا تعدد أسمائها، ومن
جملتها لامانس اليسوعي البلجيكي ومارتين هارتمان الألماني، ومرغليوث
الإنكليزي، وفنسنك الذي ذكر عنه الدكتور حسين الهراوي أنه طعن في الرسول
عليه السلام، وأنا لم أقرأ طعن هذا، ولكنني قرأت مطاعن الآخرين، وقد نشرت
في (حاضر العالم الإسلامي) أسماء مشاهير المستشرقين الممتازين في التحامل
على الإسلام، فليراجع ذلك من أراد في ذلك الكتاب.
ومن المستشرقين فئة أخرى غرضهم أيضا أن يخدموا المدنية الأوربية
والثقافة المسيحية، وأن يبثوها بما أمكنهم بين المسلمين، ولكنهم لا يستبيحون ما
تستبيحه الفئة الأولى من الكذب والبهتان، وقلب الحقائق واللوذ بكل عضيهة
للتمثيل بالإسلام وأهله، كلا هؤلاء يلتزمون في مباحثهم الطريقة العلمية التي
تقتضي معرفة الحق في أي جانب كان، ولكنهم لا يتحرجون عند أول فرصة تلوح
لهم أن يتولجوها ويحملوا على الإسلام باسم العلم بزعمهم، وأن يجسموا الهنات،
وأن يعمموا الجزئيات في الأحايين، وأن يتجاهلوا ما عندهم من الطامات الكبرى
التي لا تقاس إليها معايب الإسلام في كثير ولا قليل فهذه الفئة يتألف منها أكثر
المستشرقين وهم يعدون إجمالا من ذوي الفضل على العلم، وممن يلزم أن يستفاد
منهم، ولكن مع دوام الحذر مما يلقونه أحيانا من السموم بحق الإسلام مما يكون
ضرره أشد من ضرر الفئة الأولى التي بهتانها ظاهر للعيان، يمكن أن توصف هذه
الفئة (بالعدو العاقل) ومن هؤلاء الأستاذ ماسينيون الأفرنسي وسنوك هور كرونيه
الهولندي وغيرهما.
ومن المستشرقين فئة ثالثة قليلة العدد في أوربة إلا أن منها رجالا محققين،
وهؤلاء يتحرون مزيد التحري، وينصفون الإسلام إنصافا تاما لا يشوبه أدنى
تحامل، وإن بدر منهم انتقاد للإسلام في شيء فيكون عن اعتقاد أو وجهة نظر
نظروها أو خطأ وقعوا فيه لا عن سوء نية، ولا عن تعمد انتقاص، ولا أعلم في
هذه الطبقة أشهر من غولد سيهر المجري الذي هو في الحقيقة أفهم الأوربيين
لقواعد الإسلام ومنهم في الحياة الأستاذ كامفماير الألماني والأستاذ مونتا السويسري،
ومنهم كاراده فو الفرنسي صاحب كتاب مفكري الإسلام، ومنهم الدكتور مايرهوف
الألماني، ومنهم غروسه الفرنسي، ومنهم رينه الإفرنسي الذي بلغ به استشراقه
من حب الإسلام أن دان بالإسلام وحج البيت الحرام، ومنهم علماء آخرون
لست الآن في مقام استقصاء من جهتهم.
ولا شك أن الفئة الأخيرة قد خدمت الإسلام خدمات جلى في أوربة وحولت
كثيرا من العقائد الباطلة بحق الإسلام عن مجراها الأول، وخففت كثيرا من الأحقاد،
وصححت جمهرة من الأوهام، ولكنها مع الأسف لم تقدر أن تنسف تلك الجبال
المتراكمة من البغض والعدوان والعقائد الفاسدة بحق الإسلام والمسلمين؛ لأن التيار
الأصلي الباقي من القرون الوسطى لا يزال شديدا.
كان زميلي إحسان بك الجابري يتحدث منذ يومين إلى مهندس كبير قد يكون
أشهر مهندس في سويسرة وهو من كبار المفكرين فقال لزميلي: نشأنا من الصغر
في بغض الإسلام وربانا آباؤنا ومعلمونا على مبادئ من العداوة للإسلام نحن الآن
نعلم بطلانها، لكننا بحكم الاستمرار لا نقدر أن نتخلص منها)
إن غوته الشاعر الألماني الأكبر الذي يقول الألمان: إنه أكبر دماغ ظهر في
ألمانية، وكان شبان الألمان ينتحرون من تأثير بعض رواياته الشعرية، نعم غوته
هو نفسه قال - وكلامه هذا مدون عنه-: إذا كان هذا هو الإسلام أفلسنا كلنا
مسلمين؟
هذا الرجل الذي سحر ناشئة الألمان في عصره ولا يزال يسحرها إلى الآن قد
عجز عن أن ينسف ما تراكم من الأوهام المتكاثفة بحق الإسلام في ألمانية، هذا
والألمان أقل الأمم الأوربية تحاملا على الإسلام والمسلمين فما ظنك بغيرهم؟