156- في خُطبتي الجمعة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ , يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ .
فيه مسائل :
= هذا الحديث رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بِلفظ : كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما .
ورواه مسلم بلفظ : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم . قال : كما يفعلون اليوم .
ورواه مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويُذَكِّر الناس .
= قال ابن حجر : وللنسائي والدارقطني من هذا الوجه : كان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس . وغفل صاحب العمدة فَعَزَا هذا اللفظ للصحيحين ، ورواه أبو داود بلفظ : كان يخطب خطبتين كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ، ثم يقوم فيخطب ، ثم يجلس فلا يتكلم ، ثم يقوم فيخطب . اهـ .
= الْخُطْبَة : بِضمّ الخاء : خُطبة الجمعة ، وبِكسرها : خِطبة النكاح .
ومن الثاني قوله تعالى : (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) .
= أكثر العلماء على اشتراط الْخُطبتين لِصِحّة الصلاة .
قال الثوري : لا تكون جمعة إلاّ بخطبة .
وقال الشافعي : لا تجزئ الجمعة بأقل من خطبتين قائما ، فإن خَطب جالسا وهو يطيق لم يُجْزِه ، وإن علموا أنه يطيق لم تُجْزِهم جمعة .
قال القرطبي في تفسيره : والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تَصِحّ إلاَّ بها، وهو قول جمهور العلماء .
وقال ابن الملقِّن : لم يُنقل عنه أنه صلاّها بِلا خُطبة .
= وأكثر العلماء على اشتراط القيام للخُطبة إلاّ في حال الْعُذر ، بل حَكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك ، فقال : وأجمعوا أن الخطبة لا تكون إلاَّ قائما لمن قدر على القيام ، فإن أعْيَا وجلس للراحة لم يتكلم حتى يعود قائما . اهـ .
وفي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب . رواه مسلم .
قال النووي : وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تَصِحّ من القادر على القيام إلاَّ قائما في الخطبتين ، ولا يصح حتى يجلس بينهما ، وأن الجمعة لا تصح إلاّ بخطبتين . قال القاضي : ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة .
وأنْكر كعب بن عجرة رضي الله عنه على عبد الرحمن بن أم الحكم حين خَطب قاعدا ، فقال كعب رضي الله عنه : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا ، وقال الله تعالى : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) . رواه مسلم .
قال النووي : هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر ، والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السنة ، ووجه استدلاله بالآية أن الله تعالى أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما .
= حُكم الجلوس بين الخطبتين :
قال ابن عبد البر : واختلف الفقهاء في الجلوس بين الخطبتين ؛ هل هو فرض أم سنة ؟
فقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه : الجلوس بين الخطبتين في الجمعة سُنّة ، فإن لم يجلس بينهما فقد أساء ، ولا شيء عليه .
إلاّ أنّ مالكًا قال : يجلس جلستين إحداهما قبل الخطبة والأخرى بين الخطبتين .
وقال أبو حنيفة : لا يجلس الإمام أول ما يخطب ويجلس بين الخطبتين .
وقال الشافعي : يجلس حين يظهر على المنبر قبل أن يخطب ؛ لأنه ينتظر الأذان ، ولا يفعل ذلك في العيدين لأنه لا ينتظر أذانًا ، فإن ترك الجلوس الأول كرهته ولا إعادة عليه ؛ لأنه ليس من الخطبتين ولا فَصل بينهما ، وأما الجلوس بين الخطبتين فلا بُدّ منه ، فإن خَطَب خُطبتين لم َيفصل بينهما أعاد ظهرا أربعا .