تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-------------------

158- في حُكم اللغو أثناء الخطبة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ : أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ؛ فَقَدْ لَغَوْتَ .

فيه مسائل :

= " فقد لغوت " ، وفي رواية لمسلم : فقد لَغيت . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ .

قال النووي : قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : لَغَا يَلْغُو كَغَزَا يَغْزُو ، وَيُقَال : لَغِيَ يَلْغَى كَعَمِيَ يَعْمَى ، لُغَتَانِ الأُولَى أَفْصَح ، وَظَاهِر الْقُرْآن يَقْتَضِي هَذِهِ الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لُغَة أَبِي هُرَيْرَة . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ ) وَهَذَا مِنْ لَغِيَ يَلْغَى ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الأَوَّل لَقَالَ : وَالْغُوا بِضَمِّ الْغَيْن . اهـ .

وفي رواية لأحمد : فقد لَغوتَ عليك بِنفسِك .

= معنى اللغو : ساقِط الكلام ومطروحه وباطله .

قال القاضي : وألغيت الشيء طرحته ، وألْغَيت إذا أتيت بِلَغْو .

وقال النووي : اللَّغْو ، وَهُوَ الْكَلام الْمَلْغِيّ السَّاقِط الْبَاطِل الْمَرْدُود .

= اللغو يكون بالقول ويكون بالفعل ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا . رواه مسلم .

فالعبث بالحصى أو بالمسبحة أو بالمفاتيح وغيرها عبث يُعتبر من اللغو .

بل وتخطِّي رِقاب الناس وأذيّتهم يوم الجمعة تُعتبر من اللغو ، لقوله عليه الصلاة والسلام : مَن لَغَا وتَخَطّى رقاب الناس كانت له ظُهْرًا . رواه أبو داود من حديث عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده ، وحسّنه الألباني .

وكان عِكرمة ينهى عن تَقليب الحصى ، وعن تَفقيع الأصابع ، في الجمعة والإمام يَخطب . رواه عبد الرزاق .

= وُجوب الإنصات يوم الجمعة لِسَماع الخطبة

قال ابْن بَطَّال : وجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى عَلَى وُجُوبِ الإِنْصَاتِ للخطبة .

وقال ابن عبد الْبَرِّ : ولا خلاف عليه بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على مَن سمعها .

وسئل الزهري عن التسبيح والتكبير والإمام يخطب . فقال : كان يُؤمَر بالصمت .

= حُكم اللغو أثناء الخطبة :

يَحرُم الكلام أثناء الخطبة إلاّ لضرورة

قال النووي : فَفِي الْحَدِيث النَّهْي عَنْ جَمِيع أَنْوَاع الْكَلام حَال الْخُطْبَة ، وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى مَا سِوَاهُ لأَنَّهُ إِذَا قَالَ أَنْصِتْ وَهُوَ فِي الأَصْل أَمْر بِمَعْرُوفٍ ، وَسَمَّاهُ لَغْوًا فَيَسِيره مِنْ الْكَلام أَوْلَى ، وَإِنَّمَا طَرِيقه إِذَا أَرَادَ نَهْي غَيْره عَنْ الْكَلام أَنْ يُشِير إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ إِنْ فَهِمَهُ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَهْمه فَلْيَنْهَهُ بِكَلامٍ مُخْتَصَر وَلا يَزِيد عَلَى أَقَلّ مُمْكِن . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْكَلام هَلْ هُوَ حَرَام أَوْ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه ؟ وَهُمَا قَوْلانِ لِلشَّافِعَيِّ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَعَامَّة الْعُلَمَاء : يَجِب الإِنْصَات لِلْخُطْبَةِ . اهـ .

وقال أبو زرعة العراقي : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ ، وَتَحْرِيمِ الْكَلامِ فِيهَا إذَا لَمْ تُغْتَفَرْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَعَ خِفَّتِهَا وَكَوْنِهَا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَمَا عَدَاهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ... وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : نَهَى عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ عَنْ الْكَلامِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا رَأَيْته يَتَكَلَّمُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَأَقْرِعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا ، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَرِهُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ كَثِيرًا الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ . اهـ .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٢٨٥