تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

146- في الجمع بين الصلاتين في السفر

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ , إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ , وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .

في الحديث مسائل :

1= أطْلَق الْجَمْع في هذا الحديث ، وجاء تعيينه في أحاديث أخرى .

منها :

حديث أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تَزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، وإذا زاغت قبل أن يَرْتَحِل صَلَّى الظهر ثم ركب . رواه البخاري ومسلم .

وحديث مُعَاذ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ ؛ إِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَإِنْ يَرْتَحِلْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .

قال الترمذي : وبهذا الحديث يقول الشافعي ، وأحمد وإسحاق يقولان : لا بأس أن يَجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما .

وهذا الحديث رواه مسلم بلفظ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَكَانَ يَجْمَعُ الصَّلاةَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا .

ففي رواية مسلم إجْمَال بَيَّنَتْه رواية أحمد وأبي داود والترمذي .

2= التَّوْسِيع في مسائل الْجَمْع ؛ لأن المقصود منها أصلا التيسير على المسافر ، ويفعل المسافر الأرفق به تقديما أو تأخيرا .

إلاَّ أنه لا يجوز له تأخير الصلاة بغير نِيَّة . فإذا أراد جَمْع التأخير فلا بُدّ أن ينوي ذلك بِقَلْبِه قبل خروج وقت الأولى .

3= حَدّ السَّفَر .

قال ابن تيمية : فالفرق بين السفر الطويل والقصير لا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله بل الأحكام التي علقها الله بالسفر علقها به مطلقا .

وقال : وقد تنازع العلماء في قصر أهل مكة خلفه . فقيل : كان ذلك لأجل النُّسك ، فلا يَقصر المسافر سفرا قصيرا هناك ، وقيل : بل كان ذلك لأجل السفر ، وكلا القولين قاله بعض أصحاب أحمد ، والقول الثاني هو الصواب ، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم ، ولهذا لم يكونوا يَقْصُرُون بِمَكَّة وكَانُوا مُحْرِمِين ، والقصر مُعلَّق بِالسَّفر وُجُودًا وعَدَمًا ، فلا يُصلى ركعتين إلاَّ مُسَافِر ، وكل مسافر يصلى ركعتين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : صلاة المسافر ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة النحر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير نقص - أي غير قصر - على لسان نَبِيِّكُم . وفى الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم زِيد في صلاة الْحَضَر وأُقِرّت صَلاة السَّفَر . وقد تنازع العلماء : هل يختص بسفر دون سفر ؟ أم يجوز في كل سفر ؟ وأظهر القولين أنه يجوز في كل سفر قصيرا كان أو طويلا ، كما قصر أهل مكة خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومنى ، وبين مكة وعرفة نحو بريد أربع فراسخ ، وأيضا فليس الكتاب والسنة يخصان بسفر دون سفر لا بقصر ولا بفطر ولا تيمم ، ولم يَحد النبي صلى الله عليه وسلم مسافة القصر بحد لا زماني ولا مكاني . ولا يمكن أن يُحدّ ذلك بِحَدٍّ صحيح ، فإن الأرض لا تُذْرَع بِذَرْع مَضْبُوط في عامة الأسفار ، وحركة المسافر تختلف ، والواجب أن يُطلق ما أطلقه صاحب الشرع ، ويُقيَّد ما قيّده ، فيَقْصُر المسافر الصلاة في كل سفر ، وكذلك جميع الأحكام المتعلقة بالسفر من القصر والصلاة على الراحلة والمسح على الخفين ، ومن قسم الأسفار إلى قصير وطويل ، وخَصّ بعض الأحكام بهذا ، وبعضها بهذا ، وجعلها متعلقة بالسفر الطويل ، فليس معه حجة يجب الرجوع إليها . اهـ .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٢٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٢٥٨