قال ابن قدامة : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُهَا ، وَلَنَا أَنَّهَا جَلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالأُولَى ، وَقَدْ سَرَدَ الْخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ .
قَالَهُ أَحْمَدُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ .
وَجُلُوسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِلاسْتِرَاحَةِ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَالأُولَى ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ خَطَبَ قَائِمًا فَلَمْ يَجْلِسْ .
قَالَ : ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْعِرَاقِيُّونَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إلاَّ الشَّافِعِيَّ ، أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ . اهـ .
= شروط الخطبة :
قال النووي : شروط الخطبة سبعة :
وقت الظهر ، وتقديمها على الصلاة ، والقيام والقعود بينهما ، وطهارة الْحَدَث ، والنجس ، وستر العورة على الأصح في الخطبتين والستر ، والسابع : رفع الصوت بحيث يسمعه أربعون من أهل الكمال .
وفي بعضها مُنازعة لدى الفقهاء ، والصحيح : أنه لا يُشترط لها الطهارة ، ولا وقت الظهر ، وسيأتي ما يتعلق بالوقت في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه .
وذَكَر النووي الخلاف في اشتراط كون الخطبة باللغة العربية ، والترتيب والموالاة .
قال ابن قدامة : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا . اهـ . فلم يعتبره شرطًا . وكذلك قال الجدّ بن تيمية .
ولا يُشترط أن يتولّى الخطابة من يتولّى الإمامة .
قال ابن قدامة : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَلاّهُمَا بِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ . اهـ .
= أركان الخطبة :
قال النووي : فروض الخطبة خمسة ، ثلاثة متفق عليها واثنان مختلف فيهما :
أحدها : حَمْد الله تعالى ، ويتعين لفظ الحمد ، ولا يقوم معناه مقامه بالاتفاق ، وأقَلّه : الحمد لله .
الثاني : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين لفظ الصلاة ...
الثالث : الوصية بتقوى الله تعالى ...
الرابع : قراءة القرآن ...
الخامس : الدعاء للمؤمنين ...
وقال ابن دقيق العيد : وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ الْوَاجِبَةِ :
الأَمْرُ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَبَعْضُهُمْ : جَعَلَ الْوَاجِبَ : مَا يُسَمَّى خُطْبَةً عِنْدَ الْعَرَبِ .
= السنة أن تكون الخطبة قصيرة بليغة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : إن طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مَئِنّة من فقهه ؛ فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ، وإن من البيان سحرا . رواه مسلم .
= ليس من السنة ذِكْر الخلفاء ولا السلاطين في خُطب الجمعة ، ولا الدعاء الذي يُشبه دُعاء القنوت !
قال الإمام الشاطبي وهو يذكر ما نَالَه بِسبب تقديمه للسُّنَّة : وتارةً نُسِبت إلى الرَّفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم ، بسبب أني لم ألْتَزِم ذِكْر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص ، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم ، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب . وقد سئل " أصبغ " عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين فقال : هو بدعة ولا ينبغي العمل به ، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة . قيل له : فدعاؤه للغزاة والمرابطين ؟ قال : ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه ، وأما أن يكون شيئاً يصمد له في خطبته دائما فإني أكره ذلك . ونص أيضاً عز الدين بن عبد السلام : على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة .