تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

155- في القراءة في فجر الجمعة

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : (الم (1) تَنْزِيلُ ) السَّجْدَةَ وَ : (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ ) .

فيه مسائل :

1= سورة السجدة (30) آية ، وسورة الإنسان (31) آية ، وعامة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ما بين السِّتِّين إلى المائة .

ففي حديث أَبِي بَرْزَةَ رضي الله عنه قال : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ . رواه البخاري ومسلم .

فَعَلى هذا تكون قراءته صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة من أقصر ما يقرأ ، بينما إذا قرأ بها الأئمة في زماننا هذا رأى بعض الناس أنه قد أطال !

2= سبب قراءة مثل هذه السُّوَر في ليلة الجمعة ، ومثلها قراءة سبِّح والغاشية ، أو الجمعة و" لمنافقون " في صلاة الجمعة - الإِشَارَة إِلَى مَا فِيهِمَا مِنْ ذِكْر خَلْق آدَم وَأَحْوَال يَوْم الْقِيَامَة ، لأَنَّ خَلْق آدَم كَانَ يوم الجمعة ، ولأن يَوْم الْقِيَامَة سَيَقَعُ يَوْم الْجُمُعَة ، أي : أن بداية يوم القيامة والنفخ في الصور يكون يوم جُمعة .

قال ابن القيم : وَسَمِعْت شَيْخَ الإِسْلامِ ابْنَ تَيْمِيّة َ يَقُولُ : إنّمَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ السّورَتَيْنِ فِي فَجْرِ الْجُمُعَةِ لأَنّهُمَا تَضَمّنَتَا مَا كَانَ وَيَكُونُ فِي يَوْمِهَا ، فَإِنّهُمَا اشْتَمَلَتَا عَلَى خَلْقِ آدَمَ ، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ ، وَحَشْرِ الْعِبَادِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَكَانَ فِي قِرَاءَتِهِمَا فِي هَذَا الْيَوْمِ تَذْكِيرٌ لِلأُمّةِ بِمَا كَانَ فِيهِ وَيَكُونُ ، وَالسّجْدَةُ جَاءَتْ تَبَعًا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً حَتّى يَقْصِدَ الْمُصَلّي قِرَاءَتَهَا حَيْثُ اتّفَقَتْ . اهـ .

3= لا عِبرة بكراهة من كَرِه قراءة سورة السجدة ليلة الجمعة ، وذلك لأنهم عللوا ذلك بخشية التخليط على الْمُصَلِّين ، وهذا مُنتَفٍ في الصلاة الجهرية ، ولذلك فرّق العلماء بين قراءة آية فيها سجدة في الصلاة الجهرية وفي الصلاة السرية ، فقالوا : قراءة السجدة في السرية والسجود حينئذ لا يُؤمَن معه التخليط .

ثم إن السنة قاضية على هذه الكراهة ؛ لأن قراءة سورة السجدة فجر الجمعة جاءت به السنة الصحيحة .

4= يُشرع للإمام أن لا يُداوم على قراءة هاتين السورتين لئلا يظُنّ الجاهل أنه لا يُجزئ غيرهما .

قال ابن القيم : كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنْ الأَئِمّةِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى قِرَاءَةِ هَذِهِ السّورَةِ فِي فَجْرِ الْجُمُعَةِ دَفْعًا لِتَوَهّمِ الْجَاهِلِينَ . اهـ .

5= اخْتُلِف في قراءة سورة فيها سجدة في فجر يوم الجمعة إن لم يقرأ سورة السجدة .

قال ابن حجر :

قِيلَ الْحِكْمَة فِي اِخْتِصَاص يَوْم الْجُمُعَة بِقِرَاءَةِ سُورَة السَّجْدَة قَصْد السُّجُود الزَّائِد حَتَّى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ هَذِهِ السُّورَة بِعَيْنِهَا أَنْ يَقْرَأ سُورَة غَيْرهَا فِيهَا سَجْدَة ، وَقَدْ عَابَ ذَلِكَ عَلَى فَاعِله غَيْرُ وَاحِد مِنْ الْعُلَمَاء ، وَنَسَبَهُمْ صَاحِب الْهَدْي إِلَى قِلَّة الْعِلْم وَنَقْص الْمَعْرِفَة ، لَكِنْ عِنْد اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ قَوِيّ عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَحَبّ أَنْ يَقْرَأ فِي الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَة . وَعِنْده مِنْ طَرِيقه أَيْضًا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَرَأَ سُورَة مَرْيَم . وَمِنْ طَرِيق اِبْن عَوْن قَالَ : كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي الصُّبْح يَوْم الْجُمُعَة بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَة . وَعِنْده مِنْ طَرِيقه أَيْضًا قَالَ : وَسَأَلْت مُحَمَّدًا - يَعْنِي اِبْن سِيرِينَ - عَنْهُ فَقَالَ لا أَعْلَم بِهِ بَأْسًا . اهـ .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ٢٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ٢٧٩