154- في حكم الاغتسال للجمعة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ .
فيه مسائل :
1= الخطاب في الحديث لِمن تجب عليه الجمعة ؛ لأنه هو الذي يأتيها ، ومن كان في حُكمه ممن يحضر إلى الجمعة .
2= قوله : " فَلْيَغْتَسِلْ " اللفظ دالّ على الوجوب ، وصرفه عن الوجوب أحاديث منها :
قوله عليه الصلاة والسلام : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا . رواه مسلم .
وقوله عليه الصلاة والسلام : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي .
قال النووي : حديث حسن في السنن مشهور ، وفيه دليل على أنه ليس بواجب .
والحديث حسنه الألباني والأرنؤوط .
3= حُكم الْغُسل يوم الجمعة
فيه تفصيل :
يجب الغُسل على كل من وُجِدت به رائحة كريهة يتأذّى بها الناس ؛ لأن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم ، كما في صحيح مسلم .
ويُحمل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : غسل يوم الجمعة على كل مُحْتَلِم . رواه البخاري ومسلم .
وحديث الباب .
وقوله عليه الصلاة والسلام : حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده . رواه البخاري ومسلم .
ولذا لَمَّا سأل يحيى بن سعيد عَمْرَةَ عن الغسل يوم الجمعة فقالت : قالت عائشة رضي الله عنها : كان الناس مَهَنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية عن عائشة أنها قالت : كان الناس يَنْتَابُون الجمعة مِن منازلهم مِن العَوالي ، فيأتون في العِباء ، ويُصيبهم الغُبار ، فتخرج منهم الريح ، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنسان منهم وهو عندي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أنكم تَطهرتم ليومكم هذا .
وبَالغ القرطبي في ردّ القول بالوجوب فقال : وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فَرض . قال ابن العربي : وهذا باطل ، لِمَا رَوى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل . اهـ .
وأما من لم تكن به رائحة كريهة يتأذّى بها الناس ، فالغُسل في حقه سُنّة إذا كان ممن يشهد الجمعة .
قال الخطابي : ولم تختلف الأمة أن صلاة من لم يغتسل للجمعة جائزة .
وقال ابن عبد البر : وقد ذكرنا حديث أبي سعيد وحديث سمرة بن جندب كلاهما عن النبي عليه السلام بأسانيدهما وذكرنا من روى من الصحابة مثل حديثهما بإسناده أيضا في التمهيد والحمد لله
فَبَان بذلك أن الغسل لصلاة الجمعة سُنة وفَضيلة لا فريضة .
وأبو سعيد هذا الذي روى عن النبي - عليه السلام - غُسْل الجمعة واجب على كل محتلم " ، قد روى " ومن اغتسل فالغسل أفضل " .
وهذا كله يدل على أن أمره بالاغتسال للجمعة نَدْب وفَضل وسُنة لا واجب فرضًا . اهـ .
وقال النووي : وَذَهَبَ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف وَفُقَهَاء الأَمْصَار إِلَى أَنَّهُ سُنَّة مُسْتَحَبَّة لَيْسَ بِوَاجِب . اهـ . وأجاب النووي عن قوله عليه الصلاة والسلام : " الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" بقوله : أَيْ: مُتَأَكِّد فِي حَقّه كَمَا يَقُول الرَّجُل لِصَاحِبِهِ : حَقُّك وَاجِبٌ عَلَيَّ أَيْ مُتَأَكِّد ، لا أَنَّ الْمُرَاد الْوَاجِب الْمُحَتَّم الْمُعَاقَب عَلَيْهِ . اهـ .