تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

77-في تخفيف الصلاة

ح 84

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ , وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ .

في الحديث مسائل :

1= قوله : " إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ " يعني صلّى إماماً بالناس .

وتقدّم في حديث أنس : قوموا فلأُصَلِّ لكم . أي بِكم .

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام عن الأئمة : يُصَلُّون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم . رواه البخاري .

2= قوله : " فَلْيُخفِّف " الأمر للاستحباب ، ويدل عليه فعله عليه الصلاة والسلام ، فإنه صلى المغرب فقرأ بالطّور ، كما في الصحيحين ، وقرأ مرّة بالمرسلات ، كما عند البخاري ، وقرأ مرّة بالأعراف .

ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف ، فرّقها بركعتين . رواه النسائي .

قال زيد بن ثابت لمروان بن الحكم : ما لَكَ تقرأ في المغرب بقصار ؟ وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بِطُولَى الطوليين .

فَدَلّ الأمر على الاستحباب .

قال ابن دقيق العيد : وَفِيهِ - بَعْدَ ذَلِكَ - بَحْثَانِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَتْ الْعِلَّةُ وَجَبَ أَنْ يَتْبَعَهَا الْحُكْمُ ، فَحَيْثُ يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ التَّطْوِيلُ ، وَيُرِيدُونَ التَّخْفِيفَ : يُؤْمَرُ بِالتَّخْفِيفِ . وَحَيْثُ لا يَشُقُّ ، أَوْ لا يُرِيدُونَ التَّخْفِيفَ : لا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ . وَعَنْ هَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : إنَّهُ إذَا عَلِمَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ : أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ طَوَّلَ ، كَمَا إذَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِقِيَامِ اللَّيْلِ . فَإِنَّ ذَلِكَ - وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ - فَقَدْ آثَرُوهُ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ .

الثَّانِي : التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ : مِنْ الأُمُورِ الإِضَافِيَّةِ . فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَوِيلا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ قَوْمٍ . وَقَدْ يَكُونُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ آخَرِينَ . اهـ .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : الواجب على المسلم أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة ، وبهذا يتبين أن أمره بالتخفيف لا يُنافى أمره بالتطويل أيضا في حديث عمار الذي في الصحيح لما قال : إن طول صلاة الرجل وقِصَرَ خُطبته مَئِنَّةٌ مِنْ فقهه ، فأطيلوا الصلاة واقُصُرُوا الخطبة . وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما فعل بعض الأئمة في زمانه من قراءة البقرة في العشاء الآخرة . اهـ .

وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو ما أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ رضي الله عنه.

وقال ابن القيم : وأما قوله : " أيكم أمّ الناس فليخفف " وقول أنس رضي الله عنه : كان رسول الله أخف الناس صلاة في تمام . فالتخفيف أمْرٌ نسبي يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه ، لا إلى شهوة المأمومين ، فإنه لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه ، وقد عَلِمَ أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة ، فالذي فَعَلَه هو التخفيف الذي أَمَرَ به ، فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة ، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها ، وهَدْيه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون . اهـ.

وإطالته عليه الصلاة والسلام لم تكن في القراءة فحسب بل كانت في سائر الصلاة ، فقد روى البخاري ومسلم من طريق ثابت عن أنس قال : إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي بنا . قال ثابت : فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نَسِي ، وإذا رفع رأسه من السجدة مَكَثَ حتى يقول القائل قد نَسِي .

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكام · الصفحة ١٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إتحاف الكرام بشرح عمدة الأحكامص ١٤٧