66-في استقبال القبلة
ح 73
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ ، فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أُمِر أن يَستقبل القبلة فاستقبَِلُوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة .
في الحديث مسائل :
هذا حديث عظيم اشتمل على مسائل عقدية ، وقضايا تربوية ، وفضائل لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وأما مسائله فـ :
1 = قوّة استجابة الصحابة رضي الله عنهم لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ومسارعتهم في ذلك ، ومبادرتهم إليه .
وكان يكفيهم أن يأتي الرجل بالخبر من خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيستجيبون له .
روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال : وهل بلغكم الخبر ؟ فقالوا : وما ذاك ؟ قال : حُرِّمت الخمر . قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس . قال : فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل .
وفي هذا الحديث أنه أتاهم آتٍ فأخبرهم خبر تحويل القبلة فاستداروا .
2 = أن جيل الصحابة رضي الله عنهم لم يُعرف عنهم الكذب وإن صغُر ، ولذلك كانت هذه الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا لأجل ذلك يكتفون بخبر الرجل تصديقا له ، ولا يسألون عن المُخبِر ، ولذا لا يُسأل عن عدالتهم عند أهل السنة .
روى مسلم في المقدمة عن طاووس قال : جاء هذا إلى ابن عباس - يعني بشير بن كعب - فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس : عُد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، ثم حدثه ، فقال له : عُد لحديث كذا وكذا ، فعاد له . فقال له : ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا ؟ فقال له ابن عباس : إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يُكذب عليه ، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه .
وروى عن مجاهد قال : جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه . فقال : يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع ؟ فقال ابن عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم ينفذ من الناس إلا ما نعرف .
3 = تطلّع النبي صلى الله عليه وسلم إلى استقبال القبلة ، ولذا فإنه عليه الصلاة والسلام لما كان في مكة كان يُصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، وما ذلك إلا لحرصه على مخالفة اليهود .
ففي حديث أنس رضي الله عنه :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت ( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فَمَرّ رجل من بني سلِمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، وقد صلوا ركعة ، فنادى : ألا إن القبلة قد حُوِّلَت ، فمالوا كما هم نحو القبلة . رواه مسلم .
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبل البيت ، وأنه صلى أو صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون قال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قُتلوا لم ندرّ ما نقول فيهم ، فأنزل الله : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .