وقد روى أبو داود بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسُدُّوا الخلل ، ولِينُوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ، ومن وَصَل صفاً وَصَلَه الله ، ومن قَطَع صَفاً قطعه الله . أبو داود : ومعنى : " ولِينُوا بأيدي إخوانكم " إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يَلِين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف .
7 = لماذا تُرصّ الصفوف ؟
لأنه أدعى للتآلف بين المصلِّين ، ولذا قال : ولِينُوا بأيدي إخوانكم .
ولأن الشيطان يدخل من خَلل الصفوف ، فيُفسد الصلاة ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : رصُّوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بالأعناق ، فو الذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الْحَذَف . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
وفي حديث البراء بن عازب عند أحمد : قيل : يا رسول الله وما أولاد الْحَذَف ؟ قال : سُود جُرد تكون بأرض اليمن .
وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أيضا : فإن الشيطان يدخل بينكم بمنزلة الْحَذَف ، يعنى أولاد الضأن الصغار .
ولأن اختلاف الصفوف سبب في اختلاف القلوب وتنافرها ، كما سيأتي في الحديث الذي يليه .
-------------------
69-في التشديد في تسوية الصفوف
ح 76
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما , قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .
وَلِمُسْلِمٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ , حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ , ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ , حَتَّى إذَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ , فَرَأَى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ , فَقَالَ : عِبَادَ اللَّهِ , لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ .
في الحديث مسائل :
1 = حُكم تسوية الصفوف
قال الإمام البخاري : باب إثم من لم يتمّ الصفوف .
ثم روى بإسناده عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك أنه قدم المدينة ، فقيل له : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تُقِيمون الصفوف .
قال ابن رجب في حديث الباب : ومعناه : أنه كانَ يُقوِّم الصفوف ويُعَدِّلها قبل الصلاة كما يُقوِّم السهم .
وقد تُوعِّد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ، أو صورته صورة حمار . وظاهر هذا الوعيد : يدل على تحريم ما توعد عليهِ . اهـ .
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ " أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " فَيُخَالِفُ بِصِفَتِهِمْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْمُسُوخِ ، أَوْ يُخَالِفُ بِوَجْهِ مَنْ لَمْ يُقِمْ صَفَّهُ وَيُغَيِّرُ صُورَتَهُ عَنْ وَجْهِ مَنْ أَقَامَهُ ، أَوْ يُخَالِفُ بِاخْتِلافِ صُوَرِهَا بِالْمَسْخِ وَالتَّغْيِيرِ . اهـ .
وقال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " مَعْنَاهُ : إنْ لَمْ تُسَوُّوا ؛ لأَنَّهُ قَابَلَ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَبَيْنَهُ ، أَيْ الْوَاقِعُ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ : إمَّا التَّسْوِيَةُ ، أَوْ الْمُخَالَفَةُ . وَكَانَ يَظْهَرُ لِي فِي قَوْلِهِ " أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلافِ الْقُلُوبِ ، وَتَغَيُّرِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ تَقَدُّمَ إنْسَانٍ عَلَى الشَّخْصِ ، أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَتَخْلِيفَهُ إيَّاهُمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُقَامًا لِلإِمَامَةِ بِهِمْ : قَدْ يُوغِرُ صُدُورَهُمْ . وَهُوَ مُوجِبٌ لاخْتِلافِ قُلُوبِهِمْ . فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمُخَالَفَةِ وُجُوهِهِمْ ؛ لأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي التَّبَاعُدِ وَالتَّقَارُبِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ وَجْهِ الآخَرِ . اهـ .