129-في الجماع في رمضان وكفّارته
شرح الحديث الـ 190
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله هلكت ! قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي ، وأنا صائم – وفي رواية : أصبتُ أهلي في رمضان - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقُها ؟ قال : لا . قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . فقال : فهل تجد إطعامَ ستين مسكينا ؟ قال : لا . قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر - والعَرَق : المكتل - قال : أين السائل ؟ فقال : أنا . قال : خذ هذا ، فتصدّق به ، فقال الرجل : أعلى أفقرَ مِنِّي يا رسول الله ؟! فو الله ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهلَ بيت أفقر من أهل بيتي ! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه أهلك .
الحرّة : أرض تركبها حجارة سُود .
في الحديث مسائل :
1 = من روايات الحديث :
وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : أتى رجل النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المسجد ، قال : احترقت ! قال : ممّ ذاك ؟ قال : وقعت بامرأتي في رمضان . قال له : تصدق . قال : ما عندي شيء ، فجلس ، وأتاه إنسان يسوق حماراً ومعه طعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أين المحترق ؟ فقال : ها أنا ذا . قال : خذ هذا فتصدّق به . قال : على أحوج مني ؟ ما لأهلي طعام ! قال : فكلوه . رواه البخاري ومسلم .
* في بعض نُسخ العمدة : " فسَكَتَ النبي صلى الله عليه وسلم " بدل " فمكث " .
والمثبت هو ما في صحيح البخاري .
في رواية للبخاري : والعَرَق : الزبيل .
وفي رواية لمسلم : بعرق فيه تمر ، وهو الزنبيل .
وهذا من تفسير الرواة .
والزبيل والزنبيل والمكتل والعَرَق هو الوعاء الذي يُحمل فيه ، ويكون من الخوص أو من الجلد .
2 = قول الرجل : " هلكت "
وقوله أيضا : وقعت على امرأتي ، وأنا صائم – وفي رواية : أصبتُ أهلي في رمضان –
كل ذلك يدلّ على أنه كان يعرف الحُكم .
لأن المؤاخذة في ارتكاب المحظورات إنما تتمّ بـ :
1 - العِلم وضده الجهل
2 - الذِّكر وضدّه النسيان
3 - العمد وضده الخطأ
فلو كان عالِماً بالحُكم جاهلا بالحد أو العقوبة المترتبة على فعله لم يُعذر .
وعلى سبيل المثال : لو أسلم شخص ولم يعلم بحرمة الجماع في نهار رمضان ولا بالعقوبة المقدّرة شرعاً لم يؤاخذ لا في الدنيا ولا في الآخرة . بمعنى لا تلزمه الكفارة .
ولو فعل شيئا من المفطِّرات – أكل أو شرِب أو جامع – ناسياً لم يؤاخذ ، ولا تجب عليه كفارة .
ومثله لو أخطأ ، كأن يظن أنه لا زال في الليل ثم بان له أنه فعل ذلك بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه .
وسبقت الإشارة إلى ذلك في شرح الحديث السابق .
ومثل ذلك يُقال في محظورات الإحرام .
لعموم قوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال الله : قد فعلت .
ولقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . رواه ابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين .
3 = السؤال عما أُبهم من قِبل السائل ، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام للرجل : ما لك ؟
وهذا من الاستفصال قبل السؤال .
4 = الرّفق بمن أتى تائبا نادماً ، خاصة إذا كان في حق الخالق سبحانه وتعالى ، بخلاف ما إذا كان ذلك في حق المخلوق .
فإن هذا الرجل قد أتى أعظم المُفطِّرات ، ومع ذلك لم يُعنّفه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومثله قصة معاوية بن الحكم السّلمي رضي الله عنه ، وهي في صحيح مسلم .
وفيه قوله : فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني .