28-باب الغسل من الجنابة
لما ذكر المصنف رحمه الله المذي وبيّن أنه لا يوجب الغسل ، ذكر بعد ذلك باب الغسل وذكر فيه تسعة أحاديث .
وهنا مسائل :
1 = تعريف الغُسُل
الغُسُْل - بضمّ الغين ، وضم السين وسكونها - ، وهو يختلف عن الغَسْل ، فالغُسل في البدن ، والغَسل في الأعضاء وفي غيرها ، كالثياب ونحوها .
والغُسل هو :
إفاضة الماء على الشيء لغة .
وشرعا : تعميم البدن بالماء بنية معتبرة .
2 = تعريف الجنابة
الجنابة لغة مأخوذة من البعد ، ومنه قوله تعالى : ( والجار الجُنُب ) أي البعيد الذي ليس بقرابة .
وقيل في سبب تسمية الجُنُب جُنُباً :
- أنه مُجانب للطهارة
- ومُجانب للعبادة .
- وقيل : لأنه جانب امرأته ، أي خالطها ، وهو الغالب في الجنابة .
- وقيل : لأن الملائكة تجتنب الجُنب وتبتعد عنه .
وكلها معاني واردة في اللغة .
والأقرب للتعريف الاصطلاحي أنه مُجتنب للعبادات ، وأن الملائكة تجتنب الجُنب ولا تقربه ، كما ثبت بذلك الحديث .
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا تقربهم الملائكة : جيفة الكافر ، والمتضمخ بالخلوق ، والجُنُب إلا أن يتوضأ . رواه أبو داود ، وهو في صحيح الجامع .
والجُنُب هو من أصابته الجنابة ، بأحد موجباتها .
3 = ما يُمنع منه الجُنب ؟
يُمنع الجُنب الذي يستطيع الاغتسال من :
أ - الصلاة ، وتقدّم في الحديث الثاني : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ . والجنابة حدث أكبر .
فلا يجوز للمسلم أن يُصلي وهو جُنب مع القدرة على استعمال الماء ، فإن عجز عن استعماله أو كان استعمال الماء يضرّ به فإنه يتيمم ويُصلي .
ب – الطواف بالبيت ، لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت : افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري . رواه البخاري ومسلم .
ومما يُمنع منه الجُنب عند بعض العلماء :
قراءة القرآن
ودخول المسجد
أما قراءة القرآن ففيها بحث مستقل
وأما دخول الجنب أو الحائض للمسجد
ولم يدلّ دليل صحيح صريح على المنع .
ولذا قالت أم عطية رضي الله عنها : أمَرنا - تعني النبي صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور ، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية للبخاري : ويعتزلن مصلاهم .
مع حضورهن للمصلى ، فهذا الاعتزال إنما هو اعتزال للصلاة .
ونقل ابن حجر رحمه الله عن ابن المنير رحمه الله أنه قال : الحكمة في اعتزالهن أن في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال ، فاستحب لهن اجتناب ذلك .
فالحائض تشهد العيد وتدخل المصلى ، ولكنها لا تقف في صف المُصلِّيات .
وهنا فائدة :
وهي هل دلّ الدليل على منع الحائض من دخول المسجد ؟
الجواب : لا ، إلا أن يُخشى أن تلوّث المسجد .
وما ورد إما غير صحيح ، وإما غير صريح .
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت : افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري . رواه البخاري ومسلم .
والقاعدة : لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
ولم يقُل لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا تدخلي المسجد ، وإنما نهاها عن الطواف بالبيت حتى تطهر .
ولذا لما قالت أم عطية رضي الله عنها : سمعته يقول : يخرج العواتق وذوات الخدور أو العواتق ذوات الخدور والحيض وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ، ويعتزل الحيض المصلى . قالت حفصة رضي الله عنها : فقلت : آلحيض ؟ فقالت : أليس تشهد عرفة وكذا وكذا .
يعني أنها تحضر تلك المواطن ، ولا تُمنع منها .
ويستدل بعض العلماء على منع الجنب من دخول المسجد بقول الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ )