جُمهور أهل العِلْم على أنه يُصلي صلاة مسافر ، سواء كان يَرى عامِر البلد أوْ لا يَراه ، إذا كان قد فارَق العُمران . لأن العِبْرَة بالأداء ، وهو يُؤدِّيها أداء مُسافِر .
فعن أنس رضي الله عنه قال : صَلَّيت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أرْبعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين . رواه البخاري ومسلم .
وروى عبد الرزاق من طريق علي بن ربيعة الأسدي قال : خرجنا مع علي رضي الله عنه ونحن ننظر إلى الكوفة ، فصلى ركعتين ، ثم رجع فصلى ركعتين وهو ينظر إلى القَرية ، فقلنا له : ألا تُصَلي أربعا ؟ قال : حتى ندخلها .
ورَوى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يَقْصر الصلاة حين يخرج من بُيوت المدينة ، ويَقْصر إذا رَجع حتى يَدخل بيوتها .
قال الإمام مالك : لا يَقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ، ولا يُتِمّ حتى يدخلها أو يُقَارِبها .
قال ابن عبد البر رحمه الله : وهو مذهب جماعة العلماء إلاَّ من شذّ .
وقال : فإذا تأهّب المسافر وخرج من حَضَرِه عازما على سَفَرِه فهو مُسافر ، ومن كان مُسَافِرًا فَلَه أن يُفطر ويقصر الصلاة إن شاء .
8= حُجّة من قال بأن نهاية السفر أربعة أيام ؛ هي أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدِم مكة حاجا أقام فيها ثلاثة أيام يقصر ، ثم خرج في اليوم الرابع إلى منى .
والاستدلال بفعله هذا عليه الصلاة والسلام مُتعقّب من عِدّة وُجوه :
الوجه الأول : أن هذا حكاية فِعْل ، ولا يُمكن الاستدلال بها على انقطاع أحكام السفر .
الوجه الثاني : أن الاستدلال بفعله هذا بناء على ظَنّ ! والظنّ لا يُغني من الحق شيئا ! وذلك أنهم قالوا : لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام أتَمّ ! وهذا مُتعقّب بـ :
الوجه الثالث : أن القول بأنه عليه الصلاة والسلام لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام قصر أوْلَى من القول بِضِدِّه ، وهو أنه لو أقام بمكة أكثر أربعة أيام أتمّ ، وذلك لأنه لا يصِحّ أنه عليه الصلاة والسلام أتَمّ في سفره ، ولو كان عليه الصلاة والسلام يُتِمّ في سفره لكان الحَمْل على ذلك له وَجْه .
فتعيَّن أنه لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام لَقَصَر ؛ لأنه متوافق مع سائر أسفاره ، فقد سافر عليه الصلاة والسلام وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما .
ففي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ . رواه البخاري .
وقال أنس رضي الله عنه : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فكان يُصلي ركعتين ركعتين ، حتى رجعنا إلى المدينة . قال يحيى بن أبي إسحاق : قلت : أقمتم بمكة شيئا ؟ قال : أقمنا بها عشرا . رواه البخاري ومسلم .
وروى الإمام مالك عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلّى بهم ركعتين ، ثم يقول : يا أهل مكة أتموا صلاتكم ، فإنا قوم سَفْر . ومن طريقه رواه البيهقي .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
فإن رسول الله كان يسافر أسفاراً كثيرة ، قد اعتمر ثلاث عُمر سوى عمرة حجته ، وحجّ حجة الوداع ومعه ألوف مُؤلّفة ، وغَزا أكثر من عشرين غَزاة ، ولم يَنقل عنه أحدٌ قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيدا ، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره ، ويوم الجمعة يُصلي ركعتين كسائر الأيام . اهـ .
الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّن لأصحابه إذا أقاموا أكثر من أربعة أيام أن يُتِمُّوا ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة .
الوجه الخامس : أن الإقامة مُمتنِعة في حقِّه صلى الله عليه وسلم بمكة وفي حق المهاجرين .
قال ابن عبد البر : ليس مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذ دخلها لحجته بإقامة ؛ لأنها ليست له بدار إقامة ولا بِمَلاذ ، ولا لِمُهَاجِريّ أن يتخذها دار إقامة ولا وطن ، وإنما كان مقامه بمكة إلى يوم التروية كمقام المسافر في حاجة يقضيها في سفر منصرفا إلى أهله ، فهو مقام مَن لا نِيَّة له في الإقامة ، ومن كان هذا فلا خلاف أنه في حُكم المسافر يقصر ، فلم يَنوِ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إقامة . اهـ .